السبت، 25 يناير 2014

محاضرة للدكتور غسان عبد الخالق عن الغلو والاعتدال في الفكر العربي

         ألقى المفكر والناقد غسان عبد الخالق في المقر المشترك لرابطة الكتاب الأردنيين – فرع جرش وجمعية أصدقاء التنمية والاستثمار محاضرة بعنوان "صور من الغلو والاعتدال في الفكر العربي"، حيث تناول صورا من الفكر العربي منذ حركة الخوارج مشيرا إلى مواقف فكرية تبناها المفكرون العرب، فأشار في بداية محاضرته إلى موقف عبدالله بن عباس من الشعر إذ رفض تحريمه.
اتكأ الناقد عبدالخالق على الموروث الحكائي في إبراز صور من الاعتدال في الفكر العربي، غير أن خوضه في صلب الاتجاهات الفكرية غلب على المحاضرة، فتناول نموذج الإمام الغزالي على أنه نموذج معتدل على الرغم من الكثير التناولات السطحية التي لم تنصفه، فأشار إلى كتابه "تهافت الفلاسفة" على أنه دعوة لتجاوز الخطاب القائم على الفلسفة اليونانية التي اعتمد عليها معظم الفلاسفة العرب إلى خطاب فلسفي نابع من الحضارة العربية.
وفي تناول المفكر عبدالخالق لمحنة ابن حنبل والفكر المعتزلي أشار إلى السلوك السياسي الذي مارسه المعتزلة عند تمكنهم من السلطة، وعرض لمدونة تتضمن خطوطا عريضة تتعلق بتعامل الدولة مع الدين يمكن استخلاصها من فقه ابن حنبل، وتناول عبدالخالق المذهبين المالكي والظاهري في الأندلس وأشار إلى فكر ابن حزم في الأندلس من خلال كتابه المشهور "طوق الحمامة"، حيث أشار إلى السياق الذي أنتج من خلاله هذا الكتاب إذ غامر مؤلفه الشاب بمستقبله السياسي في سبيل ترويج أفكاره عن موضوع الحب في مجتمع تغلب عليه المحافظة.
وقد تبع المحاضرة حوار مطول مع الحضور الذين تفاعلوا مع القضايا التي أثارتها المحاضرة، وكان الدكتور شفيق طه النوباني قد استهل المحاضرة بالإشارة إلى الإسهام الثمين الذي سيقدمه الدكتور عبد الخالق في سلسلة المحاضرات التي تعقدها الرابطة والجمعية، إذ تنبع أهمية هذه المحاضرة من أهمية القائم عليها بوصفه مفكرا تناول الموضوعات الفكرية بأبعاد نقدية، كما تناول موضوعات النقد بأبعاد فكرية، فظهرت في شخصيته الثقافية ملامح الناقد والمفكر. 






الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

الفلامنكو والسّامر والدحّية


د. شفيق طه النوباني
كثيرا ما أشار دارسو الفلكلور إلى تأثر رقصة الفلامنكو الإسبانية بالتراث العربي في الأندلس، وقد نالت هذه الرقصة اهتماما أكبر في الثقافة العربية، لا أقول بسبب تأثرها بالفلكلور الأندلسي، وإنما بسبب قربها من الطابع الشرقي للرقص، والحقيقة أنني بقيت متشوقا لمشاهدة هذه الرقصة عن قرب إلى أن حانت الفرصة لذلك من خلال مهرجان جرش للثقافة والفنون في المسرح الشمالي هذا العام.
بعد أن مضى المؤدون في عرضهم حضرت إلى ذهني دبكة "الدحية" البدوية، وقد آزر فكرتي أحد المشاهدين إذ علا صوته: "بدو أمريكا" في اعتقاد منه بأن الرقصة أمريكية، والحقيقة أن هذه المشابهة التي لاحظها كلانا؛ أنا والمشاهد الذي عبّر عن رأيه فورا بصوت مرتفع لم تنبع من فراغ.
تقوم دبكة السامر البدوية على تحلّق عدد من الرجال تتوسطهم امرأة تدعى "الحاشي" تقوم بحركات رشيقة تسمى "المحوشاة" حيث تؤديها الحاشي ببراعة وكبرياء على إيقاع تصفيق أيدي الرجال وغنائهم خلف الشاعر "القاصود" (انظر: محمد غوانمة، المجلة الأردنية للفنون، أغاني النساء في الأردن، ص4)
وإذا كانت دبكة السامر تقوم على وجود فعلي للمرأة فإن دبكة "الدحية" تقوم على وجود افتراضي للمرأة في وسط حلقة الرجال بحسب تأويل دارسي الفلكلور، وإذا ما تجاوزنا طبيعة اللباس وتفاصيل الحركات في رقصة الفلامنكو فإننا سنجد أن وجه الشبه بينها وبين الدبكة البدوية كبير جدا، ففي رقصة الفلامنكو تبرز حركات النساء اللواتي يتحلق الرجال حولهن جالسين أو واقفين ليظهروا تشجيعهم لهن من خلال التصفيق ليشكلوا بذلك لوحة حركية وإيقاعية قوامها السرعة والقوّة.
عنصرا السرعة والقوّة هذان هما أساس الفعل الحركي في رقصة الفلامنكو، وإن كانت دبكة السامر تقوم على حركة أبطأ إذ تعتمد المطلع المشهور: هلا وهلا بك يا هلا        لا يا حليفي يا ولد. فإنها لا تستغني عن القوّة إذ ترقص المرأة حاملة السيف، كما أنها تتميز بقوّة الشخصية، ولعلها تكون من علية القوم، وفي شخصية آمنة في رواية "سلطانة" لغالب هلسا ما يشير إلى مكانة المرأة التي يمكن لها أن تقوم بمثل هذا الدور في المجتمع البدوي.
وعلى الرغم من هذا التشابه بين الدبكة البدوية والرقصة الإسبانية إلا أن من الممكن التوصل إلى تباينات عميقة نابعة من البنية الاجتماعية والعمق الثقافي لكلا المجتمعين، فالمرأة في الرقصة الإسبانية تمثل مركز الرقصة سواء أكان ذلك من ناحية التشكيل الحركي إذ ترقص المرأة في مركز الحلقة، أو من ناحية التشكيل الإيقاعي إذ يبدو الإيقاع الصادر من حركة أقدام المرأة مركزيا جاذبا لحلقة الرجال والجمهور في الوقت ذاته. أما في الدبكة البدوية فإن المركز في الحلقة إذ تبدو هذه الحلقة الذكورية بطبيعة الحال هي الجاذبة للنظارة من ناحية الحركة والغناء والإيقاع، فالغناء يصدر من الرجال المتحلقين في دبكة السامر، كما أن الإيقاع يتحقق من خلالهم في "الدحية"، ومن الطبيعي بعد هذه المقارنة أن تسمى الدحية بالدبكة وهو فن ذكوري، وأن يسمى الفلامنكو بالرقصة وهو الفن الذي يقترن بالإناث عادة.
 والحقيقة أن هذه المركزية الذكورية تبقى مظهرا برّانيّا، فلا يحتاج المتبصّر إلى عميق اجتهاد للتوصل إلى حقيقة تمركز المرأة موضوعيّا من منطلق شكل الدبكة الحلقي حول المركز سواء أتمثل هذا المركز بالمرأة في وجودها المادي في "السامر" أو وجودها الافتراضي في "الدحية". ولو أننا ابتعدنا في هذا التأويل إلى دور المرأة الاجتماعي لوجدنا أن دور المرأة في أي مجتمع دور مركزي سواء أكان هذا الدور واضحا للعيان مكشوفا قياسا على الفلامنكو، أو كان دورا مضمرا قياسا على "الدحية".

لا شك في أن إحالة الفلامنكو إلى الدحية أو السامر فيها الكثير من المجازفة والتأويل الذي لن يقودنا إلا إلى محاولات سبر تاريخية ليس بالضرورة أن تخرج بنتيجة مؤكدة، غير أن اتفاق الجوهر الإنساني في كل الثقافات أمر لن يساوره الشك، وإن كانت الدراسات البنيوية قد توجهت في مساحات واسعة منها إلى دراسة الحكايات الشعبية لتتوصل في نتيجة من أهم نتائجها إلى وحدة العقل البشري، فإن توجهها إلى دراسة حركات الجسد والإيقاع في الفنون الحركية لن تخرج بها عن هذه النتيجة.  

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

العربون


البرود الذي ما كان له أن يرتقي إلى حال من السخونة، أو أن يتدانى إلى مستوى التجمد حال ترقد في زيدون منذ مدّة. وهو على أية حال لا يستطيع تحديد هذه المدّة … سنة … أو يوم … أو شهر … فالأمر سواء.
بلورات الجليد منتشرة عبر الشارع بلا وجهة أو شكل مستقر، والحافلة تسير عجوزًا سقطت من شعره آخر شيبة، طريق متعرج تحفة أشجار السرو المتجمدة.
سنة ليست كباقي السنين. غزاها الثلج من بداية أيلول، وتكوّم جليدًا إلى كانون. متى ستنفكّ محنة الجليد؟ سؤال تداولته ألسن كثيرة. وقد توقفت البلاد عن الحركة في البداية، لكن الحاكم قال بأن لا استسلام للطبيعة الحائرة.
أسماع الركاب تصغي للبرودة والهدوء؛ نظراتهم تنبعث بحثًا عن نهاية لهذا الركود الرتيب؛ أشجار على جانبي الشارع المتعرج، بقع من الجليد، ثم لا شيء؛ وكأنهم يريدون كسر هذا الفراغ الشاسع من حولهم بأي  كون .
تتناقل عينا جامع الأجرة بين السائق والركاب والشجيرات والفراغ المتراكم. حان وقت جمع الأجرة. تقدّم من راكب، وضع في يده عددًا من القطع النقدية كاسرًا إزعاج الصمت برنينها الخافت. وصل إلى زيدون. وضع قطعة واحدة في يد جامع الأجرة.
- ما هذا ؟
التفت إليه الركاب بسرعة وهمهموا كأنهم خلية نحل في نهار شتوي.
- عربون ... إلى أن توصلني إلى غايتي … فأعطيك ما تبقى .
- لكن …
- وكيف ستأمن لي وصولي ؟
صمت الاثنان بينما اعتدل الركاب؛ كل عين في شبّاكها. أكمل جمع الأجرة وتراجع إلى جانب الباب. لغة العيون في تحديها المتهافت تعمل عملها، لكن زيدونًا أسلم عينيه للشجيرات التي بدأت يالتصاغر.

تباطأت الحافلة أكثر. نظر الجمع إلى السـائق. شيء ما على جانب الشارع. نظروا جميعًا إلى امرأة عارية تشير إلى الحافلة بالتوقف، نزلوا قاطرة، ثم كانوا دائرة، حملوا المرأة … شكل جليدي آل إلى امرأة … أو امرأة آلت إلى شكل جليدي، ألقوها على أحد المقاعد
الفارغة، جلس كل واحد في مكانه  بينما عادت الحافلة إلى حالة المشي العجائزي. تناقلت نظرات الركاب بين الشكل الجليدي والفراغ، لكنهم ما فتئوا أن أسلموا أعينهم للفراغ من جديد .

توقفت الحافلة بلا توطئة. أشـار جامع الأجرة وكأنما يقول: هنا آخر موقف. تناقلت أعين الركاب بين زيدون وقطعة الجليد النسوية، حفر زيدون جيبه ... قطعتان نقديتان … أعطاهما لجامع الأجرة بينما حمل الركاب قطعة الجليد ونزلوا من الحافلة، حاول السائق عبثًا تشغيل الحافلة . مشى الجمع حاملاً قطعة الجليد  بينما تدانى زيدون إلى مستوى التجمد.

16 / أيلول / 1999م


الثلاثاء، 18 يونيو 2013

في قلبي

في قلبي
امرأة
تبكي منذ سنين
وتخاف عليّ من الغربة
وتبوح بآلام في الرأس وفي القدم
وتعاني من كابوس يأتيها في تشرين 
يأتيها دوما بعد حنين
  كانت تشبه أمي
كانت أمي
في قلبي
رجل كالشجرة
يحمل فأسا
يحفر صخرا
ويداوي بالقرآن
بدَواة الصبر الممزوج بحبر الزعفران
كان أبي
كان النور بعينيه الخضر طريقا للنهر
في قلبي عكازان
تتنادى الأحلام على بابهما
فيفوح الوجهان
في قلبي
جمر وكواكب
خلجان تسبح
ومراكب
ألحان تتراءى للضائع في نير السجان
في قلبي
يا قلبي
أدميت الروح... أما تدري؟  
أبليت الوجد على وجهي
وبدوت بثوب كالرمس
يقطع من كفن الأمس
ويكمم فاهي
 على تعسي
ويصب النار على جرْسي
++++
في أول بستان من قلبي
شجرة
خضراء وحمراء وبيضاء وباسقة
كالنجمة
كالبيدر
كالشلال يصب على الشطآن
كالنار على عين اللهفة
لن أحرقها
لن أخرجها من قلبي
لكني أحملها دوما في مدّ يدي

الأحد، 10 مارس 2013


احتفاليتان بمناسبة صدور ديوان للشاعرة ميسون طه النوباني وكتاب للناقد شفيق طه النوباني

احتضنت رابطة الكتاب الأردنيين مساء يوم الخميس ندوة حول كتاب "عمان في الرواية العربية في الأردن" للدكتور شفيق طه النوباني وديوان "سبع سنابل" للشاعرة ميسون طه النوباني، حيث بدأ الاحتفال الذي أداره الدكتور إسماعيل القيام بكلمة ألقاها د. شفيق النوباني: "لها وفيها نحتفل هذا اليوم. إنها الأرض. تلك الساحرة المقمرة الحاضنة لنا أبدا. إنه احتفال بها قبل أن يكون احتفالا بميلاد كتابين لبّيا دعوتها. ها أنذا أرى ابتسامتها لوجوهكم العذبة التي لبّت دعوتها لتبقى على عهدكم بها ولتبقوا على عهدها بكم. إنه احتفال بعمان التي يتجه ضميرها إلى ما يحمله ضمير الإنسانية من نزوع إلى الخير والعدالة والمحبة".
وقدم الناقد الدكتور إبراهيم خليل ورقة عن الكتاب أشار فيها إلى جهد الناقد في تحليل أربع عشرة رواية تدور أحداثها أو جل أحداثها في العاصمة الأردنية عمان، حيث أخذ على الكتاب عدم تحديد عنوان الدراسة مرحلة زمنية يتم تقصي الروايات المنتجة خلالها، مشيرا إلى أهمية هذه الدراسة في سياق الدراسات النقدية في هذا المجال. ثم قدم الدكتور عبد الحميد الحسامي من اليمن ورقة نقدية عن ديوان "سبع سنابل" تناول فيها أهم الأدوات التي اعتمدت عليها الشاعرة في نصوصها الشعرية، كالرمز والأسطورة والتناص. وقد اختتمت الأمسية بقراءة قصيدة للشاعرة ميسون النوباني بعنوان "سبع سنابل" التي أشارت من خلالها إلى تلال عمان السبع: "يا فاتنتي/ ورماح العشق تحاصرني/ أقبلت وصحرائي خلفي/ تأخذني تلك الطرقات/ أتساءل/ هل تعرفني عمان؟/وأنا النازف جرحي/ أتشوق لعبير الوديان/ تعزفني أوتارك يا ربة روحي/ تورق في قلب النسيان". وفي ختام الحفل وقع صاحبا الكتابين الجديدين الصادرين عن دار ورد في عمان كتابيهما. 

وبرعاية السيد عيسى العابد الريموني، وفي مجمع النقابات المهنية/ فرع جرش، قام أول نشاط لرابطة الكتاب الأردنيين/ فرع جرش، مساء يوم السبت، حيث ألقى رئيس الفرع الشاعر علي طه النوباني كلمته بهذه المناسبة، مشيرا إلى ظهور عدد من الكتاب المتميزين في صنوف الإبداع المتنوعة كالقصة والشعر والرواية في محافظة جرش ، ثم تحدث السيد عيسى العابد الريموني عن أهمية الثقافة والمثقفين الذين يمثلون لبنة أساسية ودعامة متينة لتحقيق رقي المجتمع وقيادته نحو المدنيّة والتحضر والتقدم، كما أشار إلى سعادته، وهو ابن جرش، ببروز عدد من كتاب هذه المدينة الحبيبة، ثم ألقى الناقد شفيق النوباني كلمة ترحيبية أشار فيها إلى طبيعة الكتابين المحتفى بهما، وقدم الدكتورعلى المومني قراءة نقدية في ديوان "سبع سنابل" تناول من خلالها العتبات النصية التي تشكلت من خلال عناوين النصوص الشعرية والإهداء، وأضاف: "ويشكل الحلم في كل مقاطع المجموعة المعادل الموضوعي للحياة التي نعيشها، والحياة معادل موضوعي للربيع بكل ما فيه من زهر وورد وشوك وتفتح، لكن حين نعي هذا الربيع/ الحياة فإننا نندفع دون إرادة نحو الألم والحزن والبكاء".
وقدم الدكتور إسماعيل القيام ورقته عن كتاب "عمان في الرواية العربية في الأردن" مشيرا إلى أن هذا الكتاب يعدّ إضافة إلى المكتبة العربية في نقد الرواية، ولا سيما فيما يتعلق بالنقد الموجه إلى رواية المكان، وتناول الدكتور القيام تبويب الكتاب الذي قام وفق منهج واضح، وأشار إلى تماسك اللغة ووضوحها وتسلسل الأفكار في الكتاب بما يجعله مترابطا سهل المأخذ. واختتمت الشاعرة ميسون النوباني الأمسية التي أدارها الدكتور جهاد المرازيق بقصيدة بعنوان "وجه جراسا" التي أهدتها إلى الحضور. وقد باشر الناقد والشاعرة النوباني بعد ذلك توقيع كتابيها للحضور.








                                     





الأحد، 30 ديسمبر 2012

حمّى في ليلة ماطرة



للتو كان اللون الأسود يغطي عينيَّ دون أن أتمكن من سماع أي صوت، لكن الألوان الآن تبدو على حقيقتها؛ ها هو الجدار السكري يطفو على عيني ويمنع نظري عما وراءه، وتبدو لي الآن الأصوات متداخلة متكسِّرة، وقد خفَّت ارتعاشتي بعد أن ألقوني على هذا السرير.
- الممرضة؟
- ستأتيك الممرضة بعد قليل.
لاح أثناء الظلام طيف بياض ممرضة؛ كانت تضاحك شابًا حاملة الإبرة في يد وقطعة من الشاش في يدها الأخرى.
جاءت الممرضة بلباسها الأبيض.
- جيد أن تتذكروا مريضًا.
- بالكاد نفحص كل مريض في الطوارئ.
- نعم … نعـــــ ...
لكنها وضعت ميزان الحرارة في فمي. غابت وقتًا ثم عادت.
-: الحرارة مرتفعة؛ أربعون درجة مئوية، لا بد من كمادة، سأنادي الطبيب.
وضعت كمادة بيضاء على جبهتي؛ كانت باردة، وكان جسدي مرتعشًا.
أصوات ترتفع في المستشفى؛ حمالة تُجرُّ، صوت أنين يتعالى، أطفال يبكون، وأصوات العاملين: أحضر إبرة أنسولين. هات كيس جلوكوز. كَسْرٌ في الرجل اليمني. صوت ضحكة نسوية ترتفع، وصوت المطر والرعود يتداخل مع هذه الأصوات التي ما عدت أميزها.
هناك بقعة دم على سريري، وبقع أخرى لا أستطيع تمييزها. هذا الشخص على السرير المجاور أعرفه. أعرف وجهه أو أنني أعرف تكتّله الشحمي؛ كان يرتعش، لكنه  نظر تجاهي:
- خير إن شاء الله.
- برد وارتعاش، وربما حرارة.
برد وارتعاش؛ كان البرد يكوِّرني، والمطر يضرب جسدي، وكان المنتظرون صفًا منتظمًا، ثم جاءت الحافلة، فإذا بهم سيل يصب في بابها.
قال السائق: مهلاً … لينزل الركاب.
نزل الركاب محاولين اختراق هذا السيل، ونزلت سائحة تصيح: شكرًا … شكرًا. وكانت ملابسها الصوفية ضيقة، وكانت رايات ترتفع، وكوفيات حمر وأخرى سود وأخرى بيض ترتفع، وكانت الجباه السمر تغنّي للحرية. وكان المطر ينزل، ينزل بلا هوادة .
- هل سنلحق باصًا اليوم؟
- ستخف الأزمة ... ستخف.
- ستخف الحمّى إن شاء الله، وستخرج بالسلامة.
- إن شاء الله … إن شاء الله … المطر يشتد هذه الليلة.
- خير … خير من الله عزّ وجل.
- جاء الطبيب؟
- نعم هو الطبيب.
- بماذا تحس؟
- أحس بالبرد … إنه برد شديد .
- البرد شديد يا حبيبتي … لماذا هذه الملابس الخفيفة ؟
كانت الرياح تشد وشاحها فتكشف عن عنقها الثلجي النحيف وكانت أطرافها تبدو مرتعشة خلف لباسها الشفاف.
- لماذا لا نجلس في مطعم أو مقهى؛ ليس شرطًا أن نشتري شيئا؛ يكفى أن نتَّقي شرَّ هذا البرد.
- البرد أجمل؛ وأنا أحب البرد، أما أنتَ بحسِّكَ الدافئ فلا تطيق البرد؛ وأنا أحب منظرك مرتعشا.
- ألهذه الدرجة تصل السادية فيك؟! لكنَّكِ مرتعشة؛ إني ألاحظ ذلك.
- لا ... أنا لا أرتعش.
- كيف وأنت تلبسين هذا اللباس الخفيف؟
- البرد سبب هذه الحمى، والحمى سبب ارتعاشك. لا شك أن حرارتك الآن ستخف. لقد خفَّت. اصرف هذا الدواء من الصيدلية وبالشفاء.

خرجت من المستشفى. كانت الأصوات تخفُّ شيئًا فشيئًا، إلا صوت الضحكة النسوية ينطلق متعاليًا على كل هذه الأصوات، وكنت أحس ارتعاشتي تزداد شيئًا فشيئًا، وكان المطر يهطل .

23 / أيلول / 2000


الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

حافة البياض


فتحت عيني فانطبعت الجدران السكرية على مرآتيهما، تراءى لي اليوم الماضي بكل تفاصيله: عينا أمي تحدقان في وجهي، يداها الباردتان، كلماتها الأخيرة: "سلموا على أخواتكم، نادوهن. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، جثتها في الثوب الأبيض المعقود من الجهتين.
قمت من الفراش، فتحت صنبور الماء وغسلت وجهي، فتحت باب الخزانة فإذا به يقع على حاجبي: كم تضربنا الحياة في صميم أرواحنا. تستل منا أجزاءنا وتتركنا نتحرك على حوافها المتعِبة. بحثت في الخزانة عن لباس يناسب الحداد، فتفاجأت بأن كل ما عندي مناسب له؛ ملابس سوداء، بنية، زرقاء غامقة، هذا ما لن أجد صعوبة في انتقائه، لبست أحدها وخرجت إلى بيت العزاء:
ـ عظم الله أجركم.
ـ شكر الله سعيكم.
في العزاء ما ينسيك برهة، ما يخرجك من انشداه المشهد، لكن في أوتاد الخيمة المؤقتة المنصوبة ما يجعلك تحس بأن الموت مناسبة؛ لا أحد يفكر بهذا الغياب السرمدي على الرغم من كلمات الواعظين ودعائهم؛ فالكلمات التي تقال تفكرًا في الموت لا تتعدى أن تكون لمعات في ذهن قائلها لا تلبث حتى يعود صاحبها إلى الحديث في موضوعات الساعة، قال أحدهم: الميت لا يختلف عن الأشياء، كالحجر والتراب. لكنه لم يقل إن الميت كالشجر. سأزرع على قبر أمي شجرة، سآكل من ثمارها، وليأكل الخلق منها.
كان بيتنا غابة صغيرة مليئة بالأشجار المثمرة من تين وزيتون وعناب ورمان وخوخ ولوز، كل هذا في بقعة لا تتجاوز الدونم الواحد، كنا نضع مخلفات الدجاج والبط بين حبات التراب فتفور الأشجار بالخير، أراني الآن في الخُضرة أحضر الأكياس الزراعية السوداء، أملؤها بالتراب الأحمر وأضعها أمام أمي فتضع فيها بذرتي الأسكادنيا: إذا ما طلعت هاي بتطلع الثانية، لآتي عليها بعد أسابيع وقد صارت أشجارًا صغيرة، فيبيعها أبي لأحد التجار وينتظر الموسم القادم، لكن الماء بدأ يشح شيئا فشيئا ما ألغى هذه المواسم مع الزمن. فتتابع بعد ذلك قطع الأشجار حتى لم يبق إلا بعضها.
صارت تلك الأيام موطنا للذكرى، صارت فكرة غائبة غير قابلة للإحياء أو حتى الاسترجاع الدقيق، هي مرحلة تمثل كينونة منفصلة غير قابلة للوصل مع الحاضر، حتى إنني أنظر إلى تلك المرحلة متحققا من مدى صحتها؛ هل كانت تلك الأيام بالفعل أم أنها حلم يمارس تأثيره علينا باستمرار؟
"يمّا الناس زمان كانوا يحبوا بعض، كان عند جيرانا دار أبو عبدالله - الله يسهل عليهم - حمار، وبيوم أجا الحمار وأكل من الزرع اللي بالحوش، طلع أبوك - الله يرحمه - على دار أبو عبدالله - الله يرحمه- وقال إله: حماركو أكل زرعنا. ومن يومها ما عدنا شفنا الحمار. راح أبوك على دار أبو عبدالله وقال له: وين راحت الدابة، ما عدت أشوفها حتى بباب داركو. قال أبو عبد الله: طخيتها. استغرب أبوك وسأله: ليش؟ قال أبو عبدالله: والله اللي بضايق أبو مصطفى بموته لو كان ابني، كيف لو كان حمار؟ هاي الأيام بسرقوا الحاجة من باب الدار".
انتهت أيام العزاء، وعدت إلى السهر، حاولت أن أمسك القلم، لكن إحساس الفقد يغلبني، كان صوت التلفاز عند أمي يعطيني شعورا بالأنس أثناء سهري، تناديني ساعة لتطعمني حبة تفاح، وساعة أخرى لتطلعني على فوائد الجزر التي يتحدث عنها أحد المذيعين، ثم أفزع ساعة على صوت نشيجها: "يا حسرتي عليكو يا الفلسطينية، ذبحوهم يمّا، بدهم يهدموا الأقصى". أحاول أن أهدئها وأصرف نظرها إلى ضرورة الاهتمام بصحتها: "لو كان البكا برجع حدا كلنا بنبكي". فتدعو رافعة يدها إلى السماء: الله يكسرك يا بوش...الله يهدّك يا شارون...الله يسخطها هاي الخنزيرة....كانت أمي لا تذكر اسمها. أقول لها: لو ماتوا في غيرهم كثير...
كانت أمي تتابع الأخبار ساعة بساعة، بل إنها صارت تتخذ مواقف إيديولوجية ثابتة تدافع عنها بمنطق قوي: مش مشكلة لو كان سني ولا شيعي، المهم بقول لا إله إلا الله، والشيعي اللي بدافع عن فلسطين الله ينصره وينصر من والاه ويعلي مقامه.
كانت ترفع صوت التلفاز عند سماع الأخبار؛ تقول: يمّا إنتو بتقدروا تقروا المكتوب بالتلفزيون، أما أنا يمّا يا حسرة لا قراية ولا كتابة.
قبل وفاتها بأسبوع كنت أدرّس ابني الحروف الهجائية أمامها، قالت والدمعة تجول في عينيها: توخذ شو ما بدك يمّا وتقرّيني... بس تعلمني القراية. احترت في الإجابة، وربما كنت قاسيًا حين قلت لها: يمّا شو بدّك بهالقصة، يمكن تغلبك كثير.
كان بيت أهلها كبيرا، وبعد أن توفي أبوها وأمها استأجرت الدولة جزءا من البيت لإقامة مدرسة. كانت تسمع وأختها الصغيرة صوت الأطفال يدرسون ويرددون الأناشيد دون أن تشاركهم: انحرمنا من القراية والمدرسة جوا الدار، انحرمنا من أشياء كثيرة يمّا... يا الله ما أصعب حياة اليتم.
حين نظرت إليّ مودعة أمسكت يديها الباردتين، في عينيها حرمان هادئ، لو أنها أسعفت الزمن لبقي اخضرار الدار، ولزرعت أمي أشجارا أكثر، لكنه الماء. لقد عزّ الماء حتى صار هذا اليباس.
صرت أحاول أن أدرج نفسي في تفاصيل الحياة، أن أغيب في تلك الألوان الغامقة التي تصلح للحياة كما تصلح للحداد، لكنني أراني أنشدّ إلى ذلك البياض الذي غطي فيه أبي، ثم غطيت فيه أمي، أراني أغيب شيئا فشيئا في ذلك البياض السرمدي.
الأحد 28/آذار/ 2010