الأربعاء، 30 مايو 2012

الإسلاميون والحكم


لا يستطيع المتابع للمشهد السياسي في الوطن العربي تجاوز تعاطف الشعوب العربية مع التيارات الإسلامية، التي برزت من بينها جماعة الإخوان المسلمين بوصفها التيار الأوسع انتشارا والأقدر على المناورة السياسية. هذا على الرغم من التمايز الذي بدأ يصل إلى حد المواجهة بين  التيارات والأحزاب السياسية القومية واليسارية والليبرالية من جهة والتيارات الإسلامية من جهة أخرى.
لقد برز هذا الاختلاف على السطح وعلى هذه الدرجة من الوضوح بعد الربيع العربي الذي هيأ لكل تيار أن يأخذ مكانا في السلطة، حيث لم تعد التحالفات بين اليمين واليسار أمام أنظمة ما قبل الربيع العربي مسوغة في المرحلة الجديدة بقدر ما كانت عليه في المرحلة السابقة بحكم تمثيل هذه التيارات إيديولوجيات مختلفة عن إيديولوجيا التيارات الإسلامية، حيث لن يتوقف الخلاف بين اليمين واليسار في هذه المرحلة على نهج المعارضة بل صار الخلاف على نهج حكم.
برز هذا الخلاف في هذه المرحلة بصورة واضحة في الانتخابات المصرية حيث انتهت المنافسة إلى خيارين لا ثالث لهما؛ خيار النظام السابق في مصر ممثلا بأحمد شفيق، وخيار الإخوان المسلمين. مما جعل الكثيرين من ممثلي التيارات اليسارية والمنادين بحريات التعبير ينصرفون عن كلا الخيارين بصورة قاطعة.
قاد التخوف من نهج حكم الإسلاميين إلى قيام حملة عفوية أحيانا ومخطط لها في أحيان أخرى قوامها التخويف من حكم الإسلاميين في المرحلة المقبلة، مما جعل الكثيرين يتجهون إلى أحمد شفيق من منطلق "أهون المرين" على ما يرون.
ما ينبغي الإشارة له في هذا السياق أن الإسلاميين لم يجربوا في الحكم لحد الآن، فضلا عن أنهم لم يصلوا إلى الحكم فيما لو وصلوا من خلال انقلاب عسكري، بل مثلوا بطبيعة الحال اختيار أغلبية الشعب، مما يجعل وصولهم إلى الحكم أكثر شرعية من التيارات التي لم تستطع أن تمكن لها في الأوساط الشعبية.
هذا لا يعني أن يأخذ الإسلاميون شرعية مطلقة، ولا يعني أن يتجه أصحاب الإيديولوجيات الأخرى إليهم بوصفهم الحل الأمثل للقيادة، بل إن قيادتهم تضعهم أمام اختبار صعب ليس أمام أتباعهم فقط، بل أمام التيارات الأخرى التي تمتلك حق المشاركة الفعلية في مؤسسات الدولة، حيث لا تتوقف هذه المشاركة على المكتسبات المتعلقة بالمناصب بل تتعدى ذلك إلى طريقة الحكم، فإن تمكن الإسلاميون من إعطاء ضمانات في هذا المجال فلا شك في أنهم سيكونون الأقرب إلى روح الثورة من أحمد شفيق. وتبقى التجربة أكبر برهان من أجل مراحل قادمة مقبلة قد يتقدم الإسلاميون فيها وقد تتراجع شعبيتهم.




الاثنين، 7 مايو 2012

The shining piaster



Short story by: Shafeeq Taha Al – Nobany

Perhaps it fell from someone, or someone threw it, any way, it was the most beautiful piaster he ever saw in his life, he save no effort in running to the nearest shop : "give me a balloon"
- a beautiful balloon.
First puff
It is only balloon . A kids balloon . but I am older than a kid. That what my dad said to me when  I climbed the palm tree and I almost picked up a star.
Second puff
I want it to be a big balloon. I will pick up the first star I find and throw it to my dad. He will know it is from me. He will trade it for a balloon and come to me. We will throw stars to my mother ,brother sister ,and my friend ,Omar,
Third puff
I will hang the moon on the past time, I won't let people spill their ideas in it as they always did. I will collect all stars . and put them in a black bag. They won't be guided by them unless they find a piaster like mine. But they won't find. It was a piaster that shined like gold .
Fourth puff
Bommmm………….the balloon burst.
   

الأربعاء، 2 مايو 2012

خضرة ويباس

( 1 )

عندما كنت صغيرًا كانت أمي تمخض قلبي وتعلّمني الحب. تستلهم من وجعي وبكائي حبّ الأشياء. كنت أراني أركض بين الزيتون وغلات القمح، أنظر في سيقان الأشجار المقطوعة، فأبكي. تركض أمي نحوي وتنادي.
- يا لك من ولد ملوّع !
أستنكر وجعي وبكائي، أبعده قليلاً، لكني لا ألبث ساعة حتى أعود للبكاء. وكانت سميّة أختي الصغيرة هادئة, تجتاح الوجع المجنون بدحنونة، أهدأ ساعة ثم أعود للبكاء.
يا لك من قلب مراوغ! كلّما قالوا سيهدأ تعود للبكاء كمن يخرج للتوّ من رحم أمه. كم كنت تبكي وما زلت، يلتهم العالم نورك، يستلّ الوجع بسكّين. تنهض في قلبك كل تعاليم الخشوع. تبكي، ثم تصمت، ثم تبكي.
كان كل الأهل يراهنون على بكائي. سينتهي يومًا، ولسوف يكون بجمال الأرض وما فيها. وقال أحدهم: ابنكم يحتاج إلى مصحة أمراض عقلية، ها هو قد تعدّى عمره العشرين سنة وما زال يقضي معظم وقته بالبكاء.
خرج أبي وضرب القائل بعصاه، وكاد يدحرجه ويرميه في المستنقع المجاور. كان أبي يدرك أن بكائي لوعة، وكان يهدئني ويحاول أن يحرفني نحو الهدوء القاتل، فيقول: لا تبك فأرضك لن تبقى يابسة، لا بد تراها يوما مشعلا يجمع أوردة الحريق، ثم تتلون الخضرة بتلاوين المحبة بعد غرس الطريق.

( 2 )

كان ابني هذا الباكي يبعث لي رسائل كثيرة في المنفى، كان يكرر جملاً نواحيه في رسائله المبللة بالدموع. كنت أفهم، ولا أفهم … أحاول … وفي بعض الأحيان أرمي الأوراق في الصندوق إلى أن تنفك عني حال الغضب شبه الدائم، أو أمزّقها إربًا وأرميها في سلة المهملات.

مذ كنت صغيرًا كان دمي فائرًا. كنت أرى يبس الأشياء أقطعها، لا أصبر، لا أتوارى أبدًا خلف فناجين القهوة للصلح، بل كنت أواجه، أشرع صدري في وجه الريح، وألملم كل الحطابين من أجل إشعال الحريق .
كانت ابنتي سمية تهدئني بدحنونة، أمسكها، أهدأ، ثم أدرك انحصار الجمال، أمزق الدحنونة، ثم اتقيّأ.
في يوم صلبت أخي، علقته تحت حريق الشمس، وكنت سأبقيه حتى الموت، لكن سماسرة الحطب اجتمعوا، أنزلوه عن الصليب، وحاولوا قتلي، وذاع الخبر في أرجاء القرية، وصرت مهددًا في كل مكان. لو أشرع صدري في وجه الريح  سأُقتل حتمًا.

( 3 )

كان أبي وأخي أصدقاء، كنت أهدئهم بالدحنون. كثيرًا ما كانوا يجتمعون فيسود اجتماعهم حديث مبهم، ثم ينتقل الأمر بهم إلى البكاء والتكسير الذي يدوم فترات طويلة.
كنت أعاتب من كل صديقاتي على تهدئتهم بالدحنون. لكني كنت أحس نفسي منهم، والبكاء والغضب كانا يقيمان في قلبي وعقلي، وكل شيء أخضر كان يبكي، وكل اليباس كان سيتشظى لولا حرقه. وكنت أرى البكاء والغضب في عيون كل الناس.
16/أيلول/1999

السبت، 28 أبريل 2012

إحباط


للإحباط أغنية أثيرية
تزيل الوجد عن ترف المعاني
تصب الزيت في الماء
فيطفو
بلا نار
... تزيل مفاصل انحناءات الأمل
ليكون العدم
بحر الدلالة
للإحباط أشجار سوداء وحدائق من شوك
تتلون فيها أفاعي السمسرة
وتغني فيها الوجوه المقفرة
ويسود فيها محبو الثرثرة
يا بلادي
كم أنت محبـِطة
مع أن قلبك قلب دحنونة أو قبرة!

الاثنين، 16 أبريل 2012

مصلح

ماذا أسميه؟ إشكالية عارضة، أما الإشكالية الحقيقية ففي تكوينه وميكانيزماته. اسمه مصلح، والطلبة يعرفونه بالبحر، أما بين أهل قريته فاسمه المخ. استوحوا ألقابه من علمه الغزير، وفيض عقله الوفير. جمع العلوم من شتى الأصناف والبقاع والأزمان، فمن بلاغة الجاحظ إلى أدب ابن العميد إلى نحو سيبويه حتى ثنائيات سوسير وتحويلية تشومسكي مرورا بالنقد النسوي وسرديات جنيت... والحقيقة أن معرفته لم تبق أسيرة الكتب، فقد تعمقت ثقافته بتطوافه في بلاد العرب والعالم، فمن مؤتمر في القاهرة إلى آخر في تونس حتى نيويورك ونيودلهي. لقد طاف البلاد متسلحًا بثقافة الأجداد مستهديا بنور علمهم الوقاد.
اختلفت آراء الطلبة في مدى وسامة البروفسور مصلح، فقد اعتقدت إحدى الطالبات أن لقب البحر جاء نتيجة ضخامة كرشه، غير أن صديقتها ردتها إلى أصول هذا اللقب، وحاولت أن تبين لها مدى وسامة الدكتور مصلح، فنظارته التي غطت عدستاهما جزءًا من وجنتيه تناسبت مع وجهه الواسع، كما أن بذلاته التي يختارها غطت تكرشه، بل إن الفتاة حاولت أن تثبت جماليات التكوين الجسماني للإنسان العربي من خلال شكل الدكتور مصلح، فوجهه الحنطي يعكس جمال بيادر القمح في بلادنا، وعيناه العسليتان تمثلان العينين النموذجيتين للإنسان العربي، أما الندوب التي ظهرت على يديه فتعكس معركة العربي من أجل التحرر والخلاص من الإمبريالية. قالت: إن علمه واسع بسعة البحر؛ ولهذا أطلقت عليه هذه التسمية. إنه العالم البحر.
اتخذ الدكتور مصلح مكانه أمام طلبته في أول محاضرة له هذا الفصل، كانت عيون الطلبة مشدودة إليه، وكانت قلوبهم تخفق إذا ما لاقت عيونهم عينيه. رحب الدكتور مصلح بطلبته وقدم لمادته: سنغرف في هذا الفصل من بحر العلم، وسوف نجوب في عالمه بقدر ما تتيح لنا فسحة الزمن... أنت يا سمير. درستك قبل هذه المرة.
ـ نعم دكتور.
واستكمل الدكتور مصلح حديثه متأملا ملامح الطلبة حينا ومتفكرا في تراكيب جمله حينا آخر، لكن عينيه وقعتا على طالب جديد.
أثار خالد في نفس الدكتور مصلح ملامح تراثية غير موغلة في القدم، فقد خف شعره الأبيض في صدغيه وقفا رأسه فاضحًا صلعته الحنطية اللامعة لافتا الرائي إلى بروز وجهه. التقت عينا الدكتور مصلح بعيني خالد فابتسم خالد بشفتيه العريضتين البارزتين مذكرا المدرس بطرابيش العثمانيين، فنادى عليه: أنت... العصر التركي، ألم تستوعب طريقة الكلام للآن... ما زلت تحاول أن تبرمج نفسك على استيعاب العربية الفصيحة؟
تفصد العرق من جبين خالد، ولم يجب. تذكر كيف امتنع عن الدراسة من أجل استكمال دراسة إخوته فيما تأخر هو ليدرس في المرحلة التي يدرس فيها أبناؤه، حضر محاضرتين بعد ذلك وقد التصق به اسم العصر التركي خلالهما، لكنه غاب عن الجامعة كلها بعد ذلك إذ اكتشف أنه يضع أمواله في المكان الخطأ: لعل أبنائي أحق بها.
كان الدكتور مصلح صاحب منهج في إلقاء محاضراته، فهو يرى أن العلم ليس في الكتب حسب، بل يتمكن من خلال التجربة المعيشة، وهذا ما جعله يسرد قصصه الشائقة عن أسفاره وبعض المواقف التي مر بها. وعندما سرد حكاية مرت به حين كان مساعد العميد دارت في ذهنه فكرة: ألم يحن لي أن أكون وزيرًا بعد أن تسلمت كثيرًا من المناصب في هذه الجامعة وفي غيرها؟ لعل المدخل الأفضل من أجل ذلك المقالات الصحفية. عمود ثابت في جريدة "الباب".
تابع الدكتور مصلح نشر المقالات يوميًّا في الصحف، وكانت فلسفته تتلخص في ثقافة السلام: لقد آذانا الغرب كثيرًا بالاستعمار، وآذانا الكيان الصهيوني كثيرًا. نزفت دماء كثيرة. ألم يحن الوقت لوقف هذا النزيف؟ إنّ وقف النزيف يقتضي قدرًا من التحمل ومقاومة حركات المقاومة.
حاوره أحد مريديه من الطلبة: أنا أتابع مقالاتك باستمرار، ألا ترى أن مقاومة حركات المقاومة موقف يشوبه قدر من التطرف؟
تشنج الدكتور مصلح برهة، لكنه سرعان ما استعاد مظهره الطبيعي: وهل يقابل التطرف إلا بتشدد يقصم تطاوله ويضع حدًّا لعنفوانه؟
لقد أدرك طلبة الدكتور مصلح مدى نرجسيته واعتداده الكبير بذاته ومحافظته على اتزانه في الأغلب، ومن ناحية أخرى لم يكن مصلح يرى في طلبته قدرات جيله، ما جعل الاستخفاف يغلب على أسلوب تعامله، قال: يخسر من لا يتوصل إلى النتائج التي توصلت إليها في البحث، والخسارة لن تكون في العلامة، بل ستكون في مستقبلك العلمي، أذكر أن الروائي "خالد عاصم" عرض عليّ روايته "المتحابون" قبل أن ينشرها، وقد اقترحت عليه إجراء تعديلات في حبكتها لكنه لم يستجب. ها هو انطفأ ذكره بعد أن جاد فكره بروايات سابقة كان قد استجاب فيها لنصائحي. لم يعد له مكانة بين أدباء عصره.
لم يوقف استرسال الدكتور مصلح إلا طرق طارق على بابه، أشار إليه مستأذنا بالدخول فأذن له، سأله: أهذا هو الكتاب الذي طلبت مني العودة إليه في بحثي؟ أمسكه الدكتور مصلح واطلع على عنوانه وقال: نعم، هذا هو، إنه كتاب مهم سيثري بحثك.
ـ لكن هذا كتاب في الفيزياء، اقرأ مقدمته، وانظر إلى الحسابات التي فيه.
لم يبد الدكتور مصلح أي استهجان: ألا تعرف أهمية الربط بين العلوم الإنسانية والعلوم البحتة؟! اكتفى الطالب بهذا الاستفزاز وطلب منه أن يوقع ورقة تتوقف عليها إجراءات البحث الرسمية. وبينما هو يخرج الورقة من حقيبته وقع الكتاب لصق قدم الدكتور مصلح. لم يحاول أن يحمل الكتاب ويعطيه للطالب، ولم يحرك كرسيه للابتعاد عن مكان سقوطه. نظر إلى الطالب وهو يحدودب لتناول الكتاب من عند قدميه. كانت ابتسامة خفية ترتسم على شفتيه، فيما خطر في ذهنه قول الإمام مالك: العلم يؤتى ولا يأتي.
كان الدكتور مصلح قبلة الزائرين ومحط أنظار الباحثين، يأتيه طلبة العلم طامحين إلى علمه المثمر ورياض فكره المزهر، لكنه لم يتصور يومًا أن يأتيه علماء من قارات أخرى طامعين بعلمه؛ استأذنت إحدى موظفات الجامعة بالدخول إلى قاعة الدراسة وكان برفقتها رجل تبدو عليه الملامح الأجنبية: هذا الدكتور سليموفاليموفيتش مدرس في قسم الدراسات الشرقية في جامعة موسكو. رغب في حضور محاضرتك للإفادة منك.
ـ أهلا بكم، تفضلوا.
لم يبد الدكتور مصلح أي مبالغة في الترحيب، فقد كان كعادته رابط الجأش هادئا لا تهزه نوائب الدهر ولا تفرحه الأحداث الجليلة، لكنه أبدى اهتماما أكبر بالاستحواذ على الكلام، فتكلم بلغة كأنها سيل دافق، وحين أحس بأنه لا يشرك الطلبة في الحديث تذكر خالدًا: أين هو...؟ حاول أن يتذكر اسمه لكنه لم يستطع: أين هو العصر التركي؟ أجابه أحد الطلبة: لقد انقطع عن الدراسة.
ـ آه...
ألقى سؤالا على الطلبة حاول من خلاله أن يسبر آراءهم فيما يقول، ثم عاد لاستكمال موضوعه دون أن يتيح لهم فرصة الإجابة. استأذن الدكتور الروسي للخروج، وحاول الدكتور مصلح أن يجامله أثناء ذلك: نحن نقدر لكم اهتمامكم بلغتنا.
عاد الدكتور مصلح إلى المحاضرة وقد خفت حماسه بعد خروج الزائر الروسي؛ بطؤ كلامه وتهاوت كلماته أمام طلبته ثم طلب منهم المغادرة قبل انتهاء وقت المحاضرة، وحين راجع نفسه من أجل إيجاد تفسير لهذا التهاوي لم يستطع التوصل إلى نتيجة. 
وضع الدكتور مصلح صورة للبحر خلف مكتبه، ورأى نفسه مبحرا في أرجائه الواسعة: ما أنا إلا مبحر على سطحه الواسع، أحاول أن أغوص في أعماقه السحيقة. وفي ليلة استيقظ من النوم فزعًا، فسألته زوجته عن حلمه، فقال إنه رأى نفسه يغرق بعد محاولات عديدة للعوم في بحر ليس له قرار. فكر في حلمه محاولا تحليله: هذه الصورة هي السبب. فأزالها عن الجدار: هل يعوم البحر في البحر؟ لا حاجة للبحر عندي، فأنا البحر الذي لا يظمأ.
كانون الأول/2010

منظومة القيم في مسلسل شيخ العرب همام

تستحق الأعمال الدرامية التي تعرض على الشاشات الفضائية اهتماما أكبر في الوسط النقدي والثقافي، فهي أعمال تنال متابعة واهتماما واسعا من المجتمع بشرائحه المتنوعة،  ومن المفروغ منه أن هذه الأعمال تمارس تأثيرا كبيرا في المجتمع إثر هذه المتابعة. وقد تم تناول عدد من هذه الأعمال في الصحف والمجلات الثقافية والفنية بالنقد الإيجابي والسلبي، بل إن بعضها نال من النقد الإيجابي أو السلبي أكثر مما تستحق. 
سوف أتناول في هذه المقالة عملا دراميا يستحق من المشاهد أن يجلس أمام التلفاز ساعة على مدى واحد وثلاثين يوما، فهو عمل يأسر المشاهد بأحداثه وشخصياته المتقنة وتناوله لملامح المجتمع واستلهامه لأحداث التاريخ، بل إنه يعاين معاينة دقيقة للعقلية العربية وعمقها الثقافي الذي مارس تأثيره الجوهري على حركة التاريخ وتفاصيل الحياة في المنطقة.
عرض مسلسل "شيخ العرب همام" على فضائية أبو ظبي في شهر رمضان، وهو يتناول محاولة زعيم صعيدي مشهور للسيطرة السياسية على منطقة الصعيد في مصر إبان حكم المماليك في القرن الثامن عشر دون أن يغيّب شكل الحياة الاجتماعية في هذه المرحلة، ولعل محاولة توصيل العمل لشكل الحياة هذا هو الذي جعله يتجاوز تفاصيل التاريخ، بل جعله يتجاوز أيضا بعض المنقول تاريخيا عن شخصية شيخ العرب همام.
معركة شيخ العرب مع المماليك هي معركة السلطة التي يحاول كلا الطرفين الاستحواذ عليها في مناطق الصعيد، وهي معركة لا تتوقف في أدواتها على أدوات الحرب بل تمثل القيم قوامها، بل إن أدوات الحرب الحقيقية لم تتم إلا في آخر حلقتين حيث خسر جيش شيخ العرب أمام جيش علي بك المملوكي في أسيوط، وقد انتهت هذه الحرب نهاية موجعة لشيخ العرب، إذ أدت إلى موته قهرا وكمدا. إنها نهاية لا تحاول تجميل الواقع والتاريخ، بل تعبر عن سيرة المنطقة التراجيدية بكل ما فيها من محاولات مجهضة للتغيير.
يمثل شيخ العرب همام منظومة قيمية لا تقترن بالصعيد المصري حسب بل ترتبط بالعقلية العربية بكليتها، فقد جاءت رئاسة همام لقبائل هوارة في صعيد مصر بحكم الوراثة، وقد استطاع أن يقوم بدور الشيخ الذي يتمثل قيم مجتمعه بروح متسامحة، فهو يجلس كل صباح ليحل مشاكل الناس منطلقا في ذلك من إحساسه بالمسؤولية المباشرة عنهم، وهو يقدر أهمية الأقرباء من أبناء عمومته إذ جعل مشورته فيهم، لكن تقديره لأبناء عمومته لم يجعله يخرج عما يمليه عليه انتظامه في القيم التي ترسخت خلال حقب تاريخية موغلة في القدم، فعلى الرغم من اعتراض ابن عمه إسماعيل على حماية همام لقاطع الطريق جابر الذي أحب ابنته ليلى وتصميمه على قتله إلا أن شيخ العرب منع ذلك وزوّجه من إحدى الجواري إذ رأى أن جابرا لم يمس شرف العائلة حين أحضر ليلى إلى أهلها دون أن يخطفها.  
لم يتوقف تأثير مفهوم الإجارة على الإسهام في التفريق بين همام وابن عمه إسماعيل، بل أسهم أيضا في توسيع الهوة بينه وبين المماليك إذ أجار من يهرب منهم إليه في الصعيد نتيجة خلافاتهم الداخلية التي تستوجب أن ينفذ المستضعفون من كبرائهم بأرواحهم. فالتزام شيخ العرب بمبادئه وقيمه لم يصب في مصلحته أمام المماليك  بل وضعه في موقف أكثر تشددا، بل إن إجارة علي بك الكبير الذي استجار به بعد أن انقلب عليه أحد كبار المماليك لم يشفع لهمام أمامه ولم يجعله ينجو من محاولاته للقضاء على قوته في الصعيد.
في مقابل هذا الالتزام الكامل بالمبادئ والقيم لدى شيخ العرب نجد تجردا كاملا منها لدى المماليك، وهذا لا يعني بالطبع انعدام وجود منظومة قيمية لدى هذه الفئة من الناس، لكن هذه المنظومة لم تتشكل بما يكفي لترسخها في دواخلهم، فهم مجموعة من العبيد الذين تحوّلوا إلى أسياد، وتحولت على إثر ذلك قيمهم من قيم العبيد إلى قيم الطبقة الحاكمة، لكن هذه القيم الجديدة لم تمتلك أرضية تاريخية واجتماعية راسخة تتناسب مع طبيعة تكوينهم الاجتماعي من جهة ومع طبقتهم الاجتماعية الجديدة من جهة أخرى.
لقد أشار محمد أبو الذهب- أحد شخصيات المماليك- إلى مفهوم الأستذة لدى المماليك في مقابل الوراثة لدى عرب الصعيد، فالمملوك يعدّ أميره أستاذه الذي يتلقى منه أصول السياسة والحياة، كما أن كبار المماليك يتعاهدون فيما بينهم عهد الوفاء الذي يستوجب عدم خيانة أحدهم لآخر، لكن هذا العهد لا يصمد أمام خلافاتهم ومحاولات كل منهم المستمرة للسيطرة على السلطة، وفي مقابل ذلك نجد في الصعيد نوازع أقل بكثير للسلطة كما نجد انصياعا غالبا لمراد شيخ العرب همام.
لقد استطاع علي بك من خلال افتقاره إلى منظومة قيمية راسخة ومن خلال إدراكه لطبيعة قيم الصعيد المصري أن يتغلب عليهم، كما أن ترسخ القيم لدى شيخ العرب لدرجة لم يستطع من خلالها تصور أن يتجرد منها علي بك إلى هذا الحد لم يمكنه من التغلب عليه، إذ لم يتخيل أن ينقلب عليه بعد أن أجاره ومكنه من استعادة منصبه في القاهرة، هذا على الرغم من كون شيخ العرب لا يفتقر إلى الدهاء المعروف لدى العرب في تراثهم السياسي، لكنه دهاء يبقى في ذلك الإطار القيمي والعرفي، وهل كان دهاء عمرو بن العاص في موقف التحكيم الشهير إلا دهاء نابعا من هذا العرف إذ التزم كلا المحكمين بالكلمة، فسادت دولة الأمويين بناء على هذه الكلمة؟
ولا أرغب في هذه المقالة بالتوقف على ما يمكن أن نخلص إليه في تعامل العقل العربي مع الآخر في هذه المرحلة التاريخية إذ يبدو ذلك بدهيًّا في ظل هذا التناول، لكنني سأتوقف عند بعض إفرازات المنظومة القيمية السائدة، فقد انتهت ليلى ابنة إسماعيل إلى الجنون نتيجة إصرار أبيها على عدم تزويجها ممن لا تتوافر فيهم السمات التي تقتضيها الطبقة التي ينتمي إليها إسماعيل، فجابر الذي أحبها رفض إسماعيل أن يزوجه إياها لأنه قاطع طريق مقطوع النسل، بل بقي مصمما على قتله حتى أوصى بقتله برصاصة لم تصبه في حين أصابته رصاصة المماليك بينما كان يغني لجنود الصعيد في المعركة، كما رفض أن يزوجها من أمير المماليك في الصعيد المتحالف مع الشيخ همام لكونه عبدا متجاهلا بذلك المركز الذي يحظى به الرجل، هذا مع أن زواجها من قريبها أحمد الهواري لم يكن مثاليا فقد هربت من بيته نتيجة اعتدائه المتكرر عليها بالضرب بدعوى أنها عاشقة.
لا مجال في هذه المنظومة القيمية لتغير المكانة، فالعبد عبد والسيد سيد، واجتهاده لن يشفع له من أجل تغيير مكانته الاعتبارية، بل إن هزيمة هوارة أمام المماليك ودمار عاصمة حكم شيخ العرب "فرشوط" ومقتل إسماعيل لم يسمح لجابر بأن يحقق حلمه مع ليلى، ففي أحد المشاهد الأخيرة في المسلسل صادف جابر ليلى في وسط الدمار الذي خلفته مدافع المماليك، وبعد أن حسب أنه حقق حلمه خرجت إليه أمها ومجموعة من النساء وفي أيديهن المشاعل، وأبعدنه عن ليلى.
هل كان التصوف ناجما عن هذا الثبات القيمي خلال تغيرات الزمن والتاريخ؟ إنه سؤال لا يقتصر في أهميته على هذا العمل الدرامي المتميز، بل هو سؤال يرتبط بتاريخنا الاجتماعي كله. وقد وظف هذا العمل الدرامي الأحلام بصورة لافتة بوصفها أداة من أدوات تحقق الحدث، كما جعل شخصية الشيخ سلام أخي الشيخ همام شخصية رئيسية لا تقل في أهميتها عن أي شخصية أخرى، وهي شخصية تتمتع بحس روحي عال ولا تمتلك قدرات اجتماعية ذات أهمية، فقد أسهم الشيخ سلام في إنقاذ همام من القتل بفضل هذا الحس الروحي، كما أنه أرشد هماما إلى الوسيلة التي يمكن من خلالها أن ينجب الصبي بعد انقطاع عنه، وما أن انصاع همام لنصيحته إذ ذهب إلى أحد مقامات الأولياء ومرت به مغامرة صوفية حتى عاد إلى بيته وزوجته حامل ببكر صبيانه درويش.
لعل الحقيقة هي ما يراه الإنسان راسخا في ذهنه غير قابل للتحول أو التغيير، فما بالك إذا كان راسخا لدى مجتمع بكامله، ألا يصل الالتزام بالقيم هنا إلى درجة الإيمان الصوفي. ومهما كان الأمر فإن منظومتنا القيمية هي حقيقتنا التي لن تنفصل عنا وإن نظرنا إليها نظرة تأملية من الخارج فلن تنفصل عنا لأنها في داخلنا، وإن ابتعدنا عنها قليلا فرواسبها فينا قائمة خلال أجيالنا الممتدة، هذا لأنها نحن. هذا الثبات القيمي أنتجنا وأنتج بكائياتنا التاريخية التي لم تنته بعد. ليست نهايات تراجيدية، بل نهايات بكائية تجعلنا نعيد النهاية كلما بدأنا، إنها بكائياتنا التي نحب قراءتها لأنها تتضمن جمالها على الرغم من قصمها لظهر تاريخنا.
لقد انتهى هذا العمل الدرامي بصورة همام ميتا، وإلى جانبه تلك المرأة التي فقدت أبناءها الثلاثة في الحرب فلم تبكهم بقدر ما بكت بيوت العز عندما تخرب: "واه على بيوت العز لما تخرب".

لماذا كرة القدم؟

حين أرى الحماس الشديد الذي يقع فيه الناس نتيجة متابعتهم لكرة القدم في كأس العالم يراودني سؤال قد يبدر في ذهن أي متابع لكرة القدم بصورة عامة أو لكرة القدم في كأس العالم خاصة: لماذا كرة القدم، ولماذا كأس العالم؟
أرى أن مباراة كرة القدم صورة مصغرة للحرب، وهل يستهجن هذا التشبيه عندما يكون الملعب يقرب في مساحته من العشرة دونومات، إنه ملعب مثل ساحة حرب تخلو من المرتفعات والمنخفضات بحيث يغدو اللاعبون مكشوفين للجمهور.
يبدو ملعب كرة القدم ذا دور كبير في تحقيق هذه الجماهيرية، فهو يتيح المجال لأكبر عدد من الجماهير لكي يحضروا المباراة الواحدة، ولعل في ذلك بعض ما يسوغ انتشار الشاشات الضخمة التي تعرض المبارايات أمام جمع غفير من الناس ولا سيما في المدن الكبيرة.
لا نجد في مباراة كرة القدم أوجها مغطاة كما هو الحال في كرة القدم الأمريكية مثلا، أو أوجها تغوص تحت الماء كما هو الحال في رياضة السباحة مثلا، بل  نجد ملامح الفرح والنشوة والحزن في أوجه اللاعبين الذين يتوجهون إلى الجمهور بروح من حقق نصرا عظيما لبلاده، ولا شك في أن لذلك دورا كبيرا في تحقيق تواصل عاطفي إنساني بين اللاعب والجمهور، فكيف تتعاطف مع لاعب فرح بالنصر ولم تر العرق يتفصد من بين ثناياه كما هو الحال في رياضة المبارزة مثلا.
والحقيقة أنني عشت مع كأس العالم الذي لا أتابع غيره في المحافل الرياضية على أنه حرب، بقيت أشجع المنتخبات الإفريقية إلى أن خرجت مع المنتخب الجزائري، ثم توجهت إلى المنتخبات الأمريكية الجنوبية بدعوى التقاء بعض إيديولوجيات بلدانها معنا، إضافة إلى التقائها معنا في فقرها المدقع، وبعد أن خرجت هذه الفرق جميعها لم أجد أحدا لأشجعه. لعلنا سنلعب الآن في داخل تناقضات أوروبا: إسبانيا….لا يمكن؛ ومحاكم التفتيش وانعدام تسامحهم مع المسلمين …. بعد ثمانمئة عام لا تجد مسلما واحدا من أصل إسباني…. ما هذا الإفراط في العدائية. هولندا تبقى أقرب بالرغم من حيازتها لعدد كبير من الصهاينة.
لا يمكنني أن أعيش كأس العالم دون أن أعيش الحرب…دون أن أعود للواقع.
أرى أن مثل هذه المحافل الرياضية تجذبنا إلى شكل من أشكال تزييف الواقع، وكأن الأمم لم يبق لها أن تتحارب إلا من خلال كرة القدم! والحقيقة أنني أتطلع إلى مثل هذه الحالة المثالية بشوق؛ لكن كيف يكون ذلك في ظل عالم تسعى فيه الدول الغنية إلى نهب الدول الفقيرة؟ كيف يكون في ظل عالم يدعم الكيان الصهيوني الذي زرع في قلوبنا؟؟؟؟