الأحد، 30 ديسمبر 2012

حمّى في ليلة ماطرة



للتو كان اللون الأسود يغطي عينيَّ دون أن أتمكن من سماع أي صوت، لكن الألوان الآن تبدو على حقيقتها؛ ها هو الجدار السكري يطفو على عيني ويمنع نظري عما وراءه، وتبدو لي الآن الأصوات متداخلة متكسِّرة، وقد خفَّت ارتعاشتي بعد أن ألقوني على هذا السرير.
- الممرضة؟
- ستأتيك الممرضة بعد قليل.
لاح أثناء الظلام طيف بياض ممرضة؛ كانت تضاحك شابًا حاملة الإبرة في يد وقطعة من الشاش في يدها الأخرى.
جاءت الممرضة بلباسها الأبيض.
- جيد أن تتذكروا مريضًا.
- بالكاد نفحص كل مريض في الطوارئ.
- نعم … نعـــــ ...
لكنها وضعت ميزان الحرارة في فمي. غابت وقتًا ثم عادت.
-: الحرارة مرتفعة؛ أربعون درجة مئوية، لا بد من كمادة، سأنادي الطبيب.
وضعت كمادة بيضاء على جبهتي؛ كانت باردة، وكان جسدي مرتعشًا.
أصوات ترتفع في المستشفى؛ حمالة تُجرُّ، صوت أنين يتعالى، أطفال يبكون، وأصوات العاملين: أحضر إبرة أنسولين. هات كيس جلوكوز. كَسْرٌ في الرجل اليمني. صوت ضحكة نسوية ترتفع، وصوت المطر والرعود يتداخل مع هذه الأصوات التي ما عدت أميزها.
هناك بقعة دم على سريري، وبقع أخرى لا أستطيع تمييزها. هذا الشخص على السرير المجاور أعرفه. أعرف وجهه أو أنني أعرف تكتّله الشحمي؛ كان يرتعش، لكنه  نظر تجاهي:
- خير إن شاء الله.
- برد وارتعاش، وربما حرارة.
برد وارتعاش؛ كان البرد يكوِّرني، والمطر يضرب جسدي، وكان المنتظرون صفًا منتظمًا، ثم جاءت الحافلة، فإذا بهم سيل يصب في بابها.
قال السائق: مهلاً … لينزل الركاب.
نزل الركاب محاولين اختراق هذا السيل، ونزلت سائحة تصيح: شكرًا … شكرًا. وكانت ملابسها الصوفية ضيقة، وكانت رايات ترتفع، وكوفيات حمر وأخرى سود وأخرى بيض ترتفع، وكانت الجباه السمر تغنّي للحرية. وكان المطر ينزل، ينزل بلا هوادة .
- هل سنلحق باصًا اليوم؟
- ستخف الأزمة ... ستخف.
- ستخف الحمّى إن شاء الله، وستخرج بالسلامة.
- إن شاء الله … إن شاء الله … المطر يشتد هذه الليلة.
- خير … خير من الله عزّ وجل.
- جاء الطبيب؟
- نعم هو الطبيب.
- بماذا تحس؟
- أحس بالبرد … إنه برد شديد .
- البرد شديد يا حبيبتي … لماذا هذه الملابس الخفيفة ؟
كانت الرياح تشد وشاحها فتكشف عن عنقها الثلجي النحيف وكانت أطرافها تبدو مرتعشة خلف لباسها الشفاف.
- لماذا لا نجلس في مطعم أو مقهى؛ ليس شرطًا أن نشتري شيئا؛ يكفى أن نتَّقي شرَّ هذا البرد.
- البرد أجمل؛ وأنا أحب البرد، أما أنتَ بحسِّكَ الدافئ فلا تطيق البرد؛ وأنا أحب منظرك مرتعشا.
- ألهذه الدرجة تصل السادية فيك؟! لكنَّكِ مرتعشة؛ إني ألاحظ ذلك.
- لا ... أنا لا أرتعش.
- كيف وأنت تلبسين هذا اللباس الخفيف؟
- البرد سبب هذه الحمى، والحمى سبب ارتعاشك. لا شك أن حرارتك الآن ستخف. لقد خفَّت. اصرف هذا الدواء من الصيدلية وبالشفاء.

خرجت من المستشفى. كانت الأصوات تخفُّ شيئًا فشيئًا، إلا صوت الضحكة النسوية ينطلق متعاليًا على كل هذه الأصوات، وكنت أحس ارتعاشتي تزداد شيئًا فشيئًا، وكان المطر يهطل .

23 / أيلول / 2000


الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

حافة البياض


فتحت عيني فانطبعت الجدران السكرية على مرآتيهما، تراءى لي اليوم الماضي بكل تفاصيله: عينا أمي تحدقان في وجهي، يداها الباردتان، كلماتها الأخيرة: "سلموا على أخواتكم، نادوهن. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، جثتها في الثوب الأبيض المعقود من الجهتين.
قمت من الفراش، فتحت صنبور الماء وغسلت وجهي، فتحت باب الخزانة فإذا به يقع على حاجبي: كم تضربنا الحياة في صميم أرواحنا. تستل منا أجزاءنا وتتركنا نتحرك على حوافها المتعِبة. بحثت في الخزانة عن لباس يناسب الحداد، فتفاجأت بأن كل ما عندي مناسب له؛ ملابس سوداء، بنية، زرقاء غامقة، هذا ما لن أجد صعوبة في انتقائه، لبست أحدها وخرجت إلى بيت العزاء:
ـ عظم الله أجركم.
ـ شكر الله سعيكم.
في العزاء ما ينسيك برهة، ما يخرجك من انشداه المشهد، لكن في أوتاد الخيمة المؤقتة المنصوبة ما يجعلك تحس بأن الموت مناسبة؛ لا أحد يفكر بهذا الغياب السرمدي على الرغم من كلمات الواعظين ودعائهم؛ فالكلمات التي تقال تفكرًا في الموت لا تتعدى أن تكون لمعات في ذهن قائلها لا تلبث حتى يعود صاحبها إلى الحديث في موضوعات الساعة، قال أحدهم: الميت لا يختلف عن الأشياء، كالحجر والتراب. لكنه لم يقل إن الميت كالشجر. سأزرع على قبر أمي شجرة، سآكل من ثمارها، وليأكل الخلق منها.
كان بيتنا غابة صغيرة مليئة بالأشجار المثمرة من تين وزيتون وعناب ورمان وخوخ ولوز، كل هذا في بقعة لا تتجاوز الدونم الواحد، كنا نضع مخلفات الدجاج والبط بين حبات التراب فتفور الأشجار بالخير، أراني الآن في الخُضرة أحضر الأكياس الزراعية السوداء، أملؤها بالتراب الأحمر وأضعها أمام أمي فتضع فيها بذرتي الأسكادنيا: إذا ما طلعت هاي بتطلع الثانية، لآتي عليها بعد أسابيع وقد صارت أشجارًا صغيرة، فيبيعها أبي لأحد التجار وينتظر الموسم القادم، لكن الماء بدأ يشح شيئا فشيئا ما ألغى هذه المواسم مع الزمن. فتتابع بعد ذلك قطع الأشجار حتى لم يبق إلا بعضها.
صارت تلك الأيام موطنا للذكرى، صارت فكرة غائبة غير قابلة للإحياء أو حتى الاسترجاع الدقيق، هي مرحلة تمثل كينونة منفصلة غير قابلة للوصل مع الحاضر، حتى إنني أنظر إلى تلك المرحلة متحققا من مدى صحتها؛ هل كانت تلك الأيام بالفعل أم أنها حلم يمارس تأثيره علينا باستمرار؟
"يمّا الناس زمان كانوا يحبوا بعض، كان عند جيرانا دار أبو عبدالله - الله يسهل عليهم - حمار، وبيوم أجا الحمار وأكل من الزرع اللي بالحوش، طلع أبوك - الله يرحمه - على دار أبو عبدالله - الله يرحمه- وقال إله: حماركو أكل زرعنا. ومن يومها ما عدنا شفنا الحمار. راح أبوك على دار أبو عبدالله وقال له: وين راحت الدابة، ما عدت أشوفها حتى بباب داركو. قال أبو عبد الله: طخيتها. استغرب أبوك وسأله: ليش؟ قال أبو عبدالله: والله اللي بضايق أبو مصطفى بموته لو كان ابني، كيف لو كان حمار؟ هاي الأيام بسرقوا الحاجة من باب الدار".
انتهت أيام العزاء، وعدت إلى السهر، حاولت أن أمسك القلم، لكن إحساس الفقد يغلبني، كان صوت التلفاز عند أمي يعطيني شعورا بالأنس أثناء سهري، تناديني ساعة لتطعمني حبة تفاح، وساعة أخرى لتطلعني على فوائد الجزر التي يتحدث عنها أحد المذيعين، ثم أفزع ساعة على صوت نشيجها: "يا حسرتي عليكو يا الفلسطينية، ذبحوهم يمّا، بدهم يهدموا الأقصى". أحاول أن أهدئها وأصرف نظرها إلى ضرورة الاهتمام بصحتها: "لو كان البكا برجع حدا كلنا بنبكي". فتدعو رافعة يدها إلى السماء: الله يكسرك يا بوش...الله يهدّك يا شارون...الله يسخطها هاي الخنزيرة....كانت أمي لا تذكر اسمها. أقول لها: لو ماتوا في غيرهم كثير...
كانت أمي تتابع الأخبار ساعة بساعة، بل إنها صارت تتخذ مواقف إيديولوجية ثابتة تدافع عنها بمنطق قوي: مش مشكلة لو كان سني ولا شيعي، المهم بقول لا إله إلا الله، والشيعي اللي بدافع عن فلسطين الله ينصره وينصر من والاه ويعلي مقامه.
كانت ترفع صوت التلفاز عند سماع الأخبار؛ تقول: يمّا إنتو بتقدروا تقروا المكتوب بالتلفزيون، أما أنا يمّا يا حسرة لا قراية ولا كتابة.
قبل وفاتها بأسبوع كنت أدرّس ابني الحروف الهجائية أمامها، قالت والدمعة تجول في عينيها: توخذ شو ما بدك يمّا وتقرّيني... بس تعلمني القراية. احترت في الإجابة، وربما كنت قاسيًا حين قلت لها: يمّا شو بدّك بهالقصة، يمكن تغلبك كثير.
كان بيت أهلها كبيرا، وبعد أن توفي أبوها وأمها استأجرت الدولة جزءا من البيت لإقامة مدرسة. كانت تسمع وأختها الصغيرة صوت الأطفال يدرسون ويرددون الأناشيد دون أن تشاركهم: انحرمنا من القراية والمدرسة جوا الدار، انحرمنا من أشياء كثيرة يمّا... يا الله ما أصعب حياة اليتم.
حين نظرت إليّ مودعة أمسكت يديها الباردتين، في عينيها حرمان هادئ، لو أنها أسعفت الزمن لبقي اخضرار الدار، ولزرعت أمي أشجارا أكثر، لكنه الماء. لقد عزّ الماء حتى صار هذا اليباس.
صرت أحاول أن أدرج نفسي في تفاصيل الحياة، أن أغيب في تلك الألوان الغامقة التي تصلح للحياة كما تصلح للحداد، لكنني أراني أنشدّ إلى ذلك البياض الذي غطي فيه أبي، ثم غطيت فيه أمي، أراني أغيب شيئا فشيئا في ذلك البياض السرمدي.
الأحد 28/آذار/ 2010

الأربعاء، 30 مايو 2012

الإسلاميون والحكم


لا يستطيع المتابع للمشهد السياسي في الوطن العربي تجاوز تعاطف الشعوب العربية مع التيارات الإسلامية، التي برزت من بينها جماعة الإخوان المسلمين بوصفها التيار الأوسع انتشارا والأقدر على المناورة السياسية. هذا على الرغم من التمايز الذي بدأ يصل إلى حد المواجهة بين  التيارات والأحزاب السياسية القومية واليسارية والليبرالية من جهة والتيارات الإسلامية من جهة أخرى.
لقد برز هذا الاختلاف على السطح وعلى هذه الدرجة من الوضوح بعد الربيع العربي الذي هيأ لكل تيار أن يأخذ مكانا في السلطة، حيث لم تعد التحالفات بين اليمين واليسار أمام أنظمة ما قبل الربيع العربي مسوغة في المرحلة الجديدة بقدر ما كانت عليه في المرحلة السابقة بحكم تمثيل هذه التيارات إيديولوجيات مختلفة عن إيديولوجيا التيارات الإسلامية، حيث لن يتوقف الخلاف بين اليمين واليسار في هذه المرحلة على نهج المعارضة بل صار الخلاف على نهج حكم.
برز هذا الخلاف في هذه المرحلة بصورة واضحة في الانتخابات المصرية حيث انتهت المنافسة إلى خيارين لا ثالث لهما؛ خيار النظام السابق في مصر ممثلا بأحمد شفيق، وخيار الإخوان المسلمين. مما جعل الكثيرين من ممثلي التيارات اليسارية والمنادين بحريات التعبير ينصرفون عن كلا الخيارين بصورة قاطعة.
قاد التخوف من نهج حكم الإسلاميين إلى قيام حملة عفوية أحيانا ومخطط لها في أحيان أخرى قوامها التخويف من حكم الإسلاميين في المرحلة المقبلة، مما جعل الكثيرين يتجهون إلى أحمد شفيق من منطلق "أهون المرين" على ما يرون.
ما ينبغي الإشارة له في هذا السياق أن الإسلاميين لم يجربوا في الحكم لحد الآن، فضلا عن أنهم لم يصلوا إلى الحكم فيما لو وصلوا من خلال انقلاب عسكري، بل مثلوا بطبيعة الحال اختيار أغلبية الشعب، مما يجعل وصولهم إلى الحكم أكثر شرعية من التيارات التي لم تستطع أن تمكن لها في الأوساط الشعبية.
هذا لا يعني أن يأخذ الإسلاميون شرعية مطلقة، ولا يعني أن يتجه أصحاب الإيديولوجيات الأخرى إليهم بوصفهم الحل الأمثل للقيادة، بل إن قيادتهم تضعهم أمام اختبار صعب ليس أمام أتباعهم فقط، بل أمام التيارات الأخرى التي تمتلك حق المشاركة الفعلية في مؤسسات الدولة، حيث لا تتوقف هذه المشاركة على المكتسبات المتعلقة بالمناصب بل تتعدى ذلك إلى طريقة الحكم، فإن تمكن الإسلاميون من إعطاء ضمانات في هذا المجال فلا شك في أنهم سيكونون الأقرب إلى روح الثورة من أحمد شفيق. وتبقى التجربة أكبر برهان من أجل مراحل قادمة مقبلة قد يتقدم الإسلاميون فيها وقد تتراجع شعبيتهم.




الاثنين، 7 مايو 2012

The shining piaster



Short story by: Shafeeq Taha Al – Nobany

Perhaps it fell from someone, or someone threw it, any way, it was the most beautiful piaster he ever saw in his life, he save no effort in running to the nearest shop : "give me a balloon"
- a beautiful balloon.
First puff
It is only balloon . A kids balloon . but I am older than a kid. That what my dad said to me when  I climbed the palm tree and I almost picked up a star.
Second puff
I want it to be a big balloon. I will pick up the first star I find and throw it to my dad. He will know it is from me. He will trade it for a balloon and come to me. We will throw stars to my mother ,brother sister ,and my friend ,Omar,
Third puff
I will hang the moon on the past time, I won't let people spill their ideas in it as they always did. I will collect all stars . and put them in a black bag. They won't be guided by them unless they find a piaster like mine. But they won't find. It was a piaster that shined like gold .
Fourth puff
Bommmm………….the balloon burst.
   

الأربعاء، 2 مايو 2012

خضرة ويباس

( 1 )

عندما كنت صغيرًا كانت أمي تمخض قلبي وتعلّمني الحب. تستلهم من وجعي وبكائي حبّ الأشياء. كنت أراني أركض بين الزيتون وغلات القمح، أنظر في سيقان الأشجار المقطوعة، فأبكي. تركض أمي نحوي وتنادي.
- يا لك من ولد ملوّع !
أستنكر وجعي وبكائي، أبعده قليلاً، لكني لا ألبث ساعة حتى أعود للبكاء. وكانت سميّة أختي الصغيرة هادئة, تجتاح الوجع المجنون بدحنونة، أهدأ ساعة ثم أعود للبكاء.
يا لك من قلب مراوغ! كلّما قالوا سيهدأ تعود للبكاء كمن يخرج للتوّ من رحم أمه. كم كنت تبكي وما زلت، يلتهم العالم نورك، يستلّ الوجع بسكّين. تنهض في قلبك كل تعاليم الخشوع. تبكي، ثم تصمت، ثم تبكي.
كان كل الأهل يراهنون على بكائي. سينتهي يومًا، ولسوف يكون بجمال الأرض وما فيها. وقال أحدهم: ابنكم يحتاج إلى مصحة أمراض عقلية، ها هو قد تعدّى عمره العشرين سنة وما زال يقضي معظم وقته بالبكاء.
خرج أبي وضرب القائل بعصاه، وكاد يدحرجه ويرميه في المستنقع المجاور. كان أبي يدرك أن بكائي لوعة، وكان يهدئني ويحاول أن يحرفني نحو الهدوء القاتل، فيقول: لا تبك فأرضك لن تبقى يابسة، لا بد تراها يوما مشعلا يجمع أوردة الحريق، ثم تتلون الخضرة بتلاوين المحبة بعد غرس الطريق.

( 2 )

كان ابني هذا الباكي يبعث لي رسائل كثيرة في المنفى، كان يكرر جملاً نواحيه في رسائله المبللة بالدموع. كنت أفهم، ولا أفهم … أحاول … وفي بعض الأحيان أرمي الأوراق في الصندوق إلى أن تنفك عني حال الغضب شبه الدائم، أو أمزّقها إربًا وأرميها في سلة المهملات.

مذ كنت صغيرًا كان دمي فائرًا. كنت أرى يبس الأشياء أقطعها، لا أصبر، لا أتوارى أبدًا خلف فناجين القهوة للصلح، بل كنت أواجه، أشرع صدري في وجه الريح، وألملم كل الحطابين من أجل إشعال الحريق .
كانت ابنتي سمية تهدئني بدحنونة، أمسكها، أهدأ، ثم أدرك انحصار الجمال، أمزق الدحنونة، ثم اتقيّأ.
في يوم صلبت أخي، علقته تحت حريق الشمس، وكنت سأبقيه حتى الموت، لكن سماسرة الحطب اجتمعوا، أنزلوه عن الصليب، وحاولوا قتلي، وذاع الخبر في أرجاء القرية، وصرت مهددًا في كل مكان. لو أشرع صدري في وجه الريح  سأُقتل حتمًا.

( 3 )

كان أبي وأخي أصدقاء، كنت أهدئهم بالدحنون. كثيرًا ما كانوا يجتمعون فيسود اجتماعهم حديث مبهم، ثم ينتقل الأمر بهم إلى البكاء والتكسير الذي يدوم فترات طويلة.
كنت أعاتب من كل صديقاتي على تهدئتهم بالدحنون. لكني كنت أحس نفسي منهم، والبكاء والغضب كانا يقيمان في قلبي وعقلي، وكل شيء أخضر كان يبكي، وكل اليباس كان سيتشظى لولا حرقه. وكنت أرى البكاء والغضب في عيون كل الناس.
16/أيلول/1999

السبت، 28 أبريل 2012

إحباط


للإحباط أغنية أثيرية
تزيل الوجد عن ترف المعاني
تصب الزيت في الماء
فيطفو
بلا نار
... تزيل مفاصل انحناءات الأمل
ليكون العدم
بحر الدلالة
للإحباط أشجار سوداء وحدائق من شوك
تتلون فيها أفاعي السمسرة
وتغني فيها الوجوه المقفرة
ويسود فيها محبو الثرثرة
يا بلادي
كم أنت محبـِطة
مع أن قلبك قلب دحنونة أو قبرة!

الاثنين، 16 أبريل 2012

مصلح

ماذا أسميه؟ إشكالية عارضة، أما الإشكالية الحقيقية ففي تكوينه وميكانيزماته. اسمه مصلح، والطلبة يعرفونه بالبحر، أما بين أهل قريته فاسمه المخ. استوحوا ألقابه من علمه الغزير، وفيض عقله الوفير. جمع العلوم من شتى الأصناف والبقاع والأزمان، فمن بلاغة الجاحظ إلى أدب ابن العميد إلى نحو سيبويه حتى ثنائيات سوسير وتحويلية تشومسكي مرورا بالنقد النسوي وسرديات جنيت... والحقيقة أن معرفته لم تبق أسيرة الكتب، فقد تعمقت ثقافته بتطوافه في بلاد العرب والعالم، فمن مؤتمر في القاهرة إلى آخر في تونس حتى نيويورك ونيودلهي. لقد طاف البلاد متسلحًا بثقافة الأجداد مستهديا بنور علمهم الوقاد.
اختلفت آراء الطلبة في مدى وسامة البروفسور مصلح، فقد اعتقدت إحدى الطالبات أن لقب البحر جاء نتيجة ضخامة كرشه، غير أن صديقتها ردتها إلى أصول هذا اللقب، وحاولت أن تبين لها مدى وسامة الدكتور مصلح، فنظارته التي غطت عدستاهما جزءًا من وجنتيه تناسبت مع وجهه الواسع، كما أن بذلاته التي يختارها غطت تكرشه، بل إن الفتاة حاولت أن تثبت جماليات التكوين الجسماني للإنسان العربي من خلال شكل الدكتور مصلح، فوجهه الحنطي يعكس جمال بيادر القمح في بلادنا، وعيناه العسليتان تمثلان العينين النموذجيتين للإنسان العربي، أما الندوب التي ظهرت على يديه فتعكس معركة العربي من أجل التحرر والخلاص من الإمبريالية. قالت: إن علمه واسع بسعة البحر؛ ولهذا أطلقت عليه هذه التسمية. إنه العالم البحر.
اتخذ الدكتور مصلح مكانه أمام طلبته في أول محاضرة له هذا الفصل، كانت عيون الطلبة مشدودة إليه، وكانت قلوبهم تخفق إذا ما لاقت عيونهم عينيه. رحب الدكتور مصلح بطلبته وقدم لمادته: سنغرف في هذا الفصل من بحر العلم، وسوف نجوب في عالمه بقدر ما تتيح لنا فسحة الزمن... أنت يا سمير. درستك قبل هذه المرة.
ـ نعم دكتور.
واستكمل الدكتور مصلح حديثه متأملا ملامح الطلبة حينا ومتفكرا في تراكيب جمله حينا آخر، لكن عينيه وقعتا على طالب جديد.
أثار خالد في نفس الدكتور مصلح ملامح تراثية غير موغلة في القدم، فقد خف شعره الأبيض في صدغيه وقفا رأسه فاضحًا صلعته الحنطية اللامعة لافتا الرائي إلى بروز وجهه. التقت عينا الدكتور مصلح بعيني خالد فابتسم خالد بشفتيه العريضتين البارزتين مذكرا المدرس بطرابيش العثمانيين، فنادى عليه: أنت... العصر التركي، ألم تستوعب طريقة الكلام للآن... ما زلت تحاول أن تبرمج نفسك على استيعاب العربية الفصيحة؟
تفصد العرق من جبين خالد، ولم يجب. تذكر كيف امتنع عن الدراسة من أجل استكمال دراسة إخوته فيما تأخر هو ليدرس في المرحلة التي يدرس فيها أبناؤه، حضر محاضرتين بعد ذلك وقد التصق به اسم العصر التركي خلالهما، لكنه غاب عن الجامعة كلها بعد ذلك إذ اكتشف أنه يضع أمواله في المكان الخطأ: لعل أبنائي أحق بها.
كان الدكتور مصلح صاحب منهج في إلقاء محاضراته، فهو يرى أن العلم ليس في الكتب حسب، بل يتمكن من خلال التجربة المعيشة، وهذا ما جعله يسرد قصصه الشائقة عن أسفاره وبعض المواقف التي مر بها. وعندما سرد حكاية مرت به حين كان مساعد العميد دارت في ذهنه فكرة: ألم يحن لي أن أكون وزيرًا بعد أن تسلمت كثيرًا من المناصب في هذه الجامعة وفي غيرها؟ لعل المدخل الأفضل من أجل ذلك المقالات الصحفية. عمود ثابت في جريدة "الباب".
تابع الدكتور مصلح نشر المقالات يوميًّا في الصحف، وكانت فلسفته تتلخص في ثقافة السلام: لقد آذانا الغرب كثيرًا بالاستعمار، وآذانا الكيان الصهيوني كثيرًا. نزفت دماء كثيرة. ألم يحن الوقت لوقف هذا النزيف؟ إنّ وقف النزيف يقتضي قدرًا من التحمل ومقاومة حركات المقاومة.
حاوره أحد مريديه من الطلبة: أنا أتابع مقالاتك باستمرار، ألا ترى أن مقاومة حركات المقاومة موقف يشوبه قدر من التطرف؟
تشنج الدكتور مصلح برهة، لكنه سرعان ما استعاد مظهره الطبيعي: وهل يقابل التطرف إلا بتشدد يقصم تطاوله ويضع حدًّا لعنفوانه؟
لقد أدرك طلبة الدكتور مصلح مدى نرجسيته واعتداده الكبير بذاته ومحافظته على اتزانه في الأغلب، ومن ناحية أخرى لم يكن مصلح يرى في طلبته قدرات جيله، ما جعل الاستخفاف يغلب على أسلوب تعامله، قال: يخسر من لا يتوصل إلى النتائج التي توصلت إليها في البحث، والخسارة لن تكون في العلامة، بل ستكون في مستقبلك العلمي، أذكر أن الروائي "خالد عاصم" عرض عليّ روايته "المتحابون" قبل أن ينشرها، وقد اقترحت عليه إجراء تعديلات في حبكتها لكنه لم يستجب. ها هو انطفأ ذكره بعد أن جاد فكره بروايات سابقة كان قد استجاب فيها لنصائحي. لم يعد له مكانة بين أدباء عصره.
لم يوقف استرسال الدكتور مصلح إلا طرق طارق على بابه، أشار إليه مستأذنا بالدخول فأذن له، سأله: أهذا هو الكتاب الذي طلبت مني العودة إليه في بحثي؟ أمسكه الدكتور مصلح واطلع على عنوانه وقال: نعم، هذا هو، إنه كتاب مهم سيثري بحثك.
ـ لكن هذا كتاب في الفيزياء، اقرأ مقدمته، وانظر إلى الحسابات التي فيه.
لم يبد الدكتور مصلح أي استهجان: ألا تعرف أهمية الربط بين العلوم الإنسانية والعلوم البحتة؟! اكتفى الطالب بهذا الاستفزاز وطلب منه أن يوقع ورقة تتوقف عليها إجراءات البحث الرسمية. وبينما هو يخرج الورقة من حقيبته وقع الكتاب لصق قدم الدكتور مصلح. لم يحاول أن يحمل الكتاب ويعطيه للطالب، ولم يحرك كرسيه للابتعاد عن مكان سقوطه. نظر إلى الطالب وهو يحدودب لتناول الكتاب من عند قدميه. كانت ابتسامة خفية ترتسم على شفتيه، فيما خطر في ذهنه قول الإمام مالك: العلم يؤتى ولا يأتي.
كان الدكتور مصلح قبلة الزائرين ومحط أنظار الباحثين، يأتيه طلبة العلم طامحين إلى علمه المثمر ورياض فكره المزهر، لكنه لم يتصور يومًا أن يأتيه علماء من قارات أخرى طامعين بعلمه؛ استأذنت إحدى موظفات الجامعة بالدخول إلى قاعة الدراسة وكان برفقتها رجل تبدو عليه الملامح الأجنبية: هذا الدكتور سليموفاليموفيتش مدرس في قسم الدراسات الشرقية في جامعة موسكو. رغب في حضور محاضرتك للإفادة منك.
ـ أهلا بكم، تفضلوا.
لم يبد الدكتور مصلح أي مبالغة في الترحيب، فقد كان كعادته رابط الجأش هادئا لا تهزه نوائب الدهر ولا تفرحه الأحداث الجليلة، لكنه أبدى اهتماما أكبر بالاستحواذ على الكلام، فتكلم بلغة كأنها سيل دافق، وحين أحس بأنه لا يشرك الطلبة في الحديث تذكر خالدًا: أين هو...؟ حاول أن يتذكر اسمه لكنه لم يستطع: أين هو العصر التركي؟ أجابه أحد الطلبة: لقد انقطع عن الدراسة.
ـ آه...
ألقى سؤالا على الطلبة حاول من خلاله أن يسبر آراءهم فيما يقول، ثم عاد لاستكمال موضوعه دون أن يتيح لهم فرصة الإجابة. استأذن الدكتور الروسي للخروج، وحاول الدكتور مصلح أن يجامله أثناء ذلك: نحن نقدر لكم اهتمامكم بلغتنا.
عاد الدكتور مصلح إلى المحاضرة وقد خفت حماسه بعد خروج الزائر الروسي؛ بطؤ كلامه وتهاوت كلماته أمام طلبته ثم طلب منهم المغادرة قبل انتهاء وقت المحاضرة، وحين راجع نفسه من أجل إيجاد تفسير لهذا التهاوي لم يستطع التوصل إلى نتيجة. 
وضع الدكتور مصلح صورة للبحر خلف مكتبه، ورأى نفسه مبحرا في أرجائه الواسعة: ما أنا إلا مبحر على سطحه الواسع، أحاول أن أغوص في أعماقه السحيقة. وفي ليلة استيقظ من النوم فزعًا، فسألته زوجته عن حلمه، فقال إنه رأى نفسه يغرق بعد محاولات عديدة للعوم في بحر ليس له قرار. فكر في حلمه محاولا تحليله: هذه الصورة هي السبب. فأزالها عن الجدار: هل يعوم البحر في البحر؟ لا حاجة للبحر عندي، فأنا البحر الذي لا يظمأ.
كانون الأول/2010