الجمعة، 14 نوفمبر 2014

في طريق الكتابة


د.شفيق طه النوباني
إذا كانت تجربة الأديب لا تنفصل بالضرورة عن الحياة، فإن تجربة الناقد لا تنفصل بالضرورة أيضا عن الحياة والأدب وفلسفتيهما، فالأدب هو التجربة الحميمة المتماسكة في تكوينها الداخلي، والنقد هو التجربة التي تتعايش مع التجربة الأدبية محاولة أن تحيط بها من خلال كشف تماسكها الداخلي الذي يمثل بطبيعة الحال وجها من وجوه العالم في خارج النص. وهذا ما يفرض بطبيعة الحال الالتفات إلى خارج النص بمقدار ما يفرض النص نفسُه تناوله الداخلي.
بنيت هذا التصور في النقد بعد أن انبهرت لوهلة بمصطلحات الحداثة ومفاهيمها، فانحصرت في محاولات فهم البنيوية والأسلوبية والشكلانية، غير أن توجهي فيما بعد إلى دراسة المنهج الواقعي من خلال نتاج الدكتور عبد الرحمن ياغي نقلني إلى حيز مختلف تماما في التناول النقدي، حيث أنجزت هذه الدراسة في مرحلة الماجستير بإشراف الدكتور نايف العجلوني، وقد منحني التواصل مع الناقد الدكتور عبد الرحمن ياغي حيوية أكبر أثناء إنجاز الدراسة، إذ أسهمت محاوراتي معه في إثراء بحثي.
لقد قادني بحثي في نتاج ياغي إلى تغيير جوهري في وجهة نظري النقدية، فالأدب لا يمثل منحى جماليا حسب أو بنية لغوية مغلقة، بل يمثل موقفا فكريا لا يستبعد تركيب المجتمع ومكوناته. ومع أنني لم أسع بعد دراستي لنتاج ياغي إلى تطبيق المنهج الواقعي بأدواته الماركسية بحذافيرها في مراجعاتي التطبيقية إلا أنني لم أستبعد خلفية النص الاجتماعية والثقافية فضلا عن رؤيته التي تأخذ بعين الاعتبار المعطى الجمالي في داخل النص كما تتجه إلى خارجه وفق اعتبارات اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، حيث يؤدي البعد الجمالي والبنيوي دوره العميق في توصيل الرؤية.
ولا يعني هذا التوجه إلى رؤية النص تجاوز المناهج الحداثية أو حتى اعتبارها بعيدة عن حضارتنا وثقافتنا، فهذه المناهج وليدة اتجاهات فلسفية عميقة لا يمكن تجاوزها، ومهما اختلفت الثقافات يبقى المشترك الإنساني قائما فضلا عن ذلك المشترك المتعلق بالطبيعة الأدبية، غير أن ما ينبغي الالتفات إليه أن هذه الاتجاهات الحداثية تبقى قابلة للنقد من منطلقات متعددة لعل أهمها ذلك المنطلق الفلسفي الذي نبعت منه.
كان الدكتور شكري عزيز الماضي في مادة "نظرية الأدب" التي انتظمت فيها في مرحلة الدكتوراه قد طرح عددا من الأسئلة المفتاحية من مثل: ما الأدب؟ ما علاقة الأدب بالحقيقة؟ وما علاقته بالسياسة؟ وقد جمعت إجابتي عن هذه الأسئلة في مقالة سبق أن نشرتها في الرأي الثقافي، حيث وضعتني هذه الأسئلة أمام تحديد أكثر دقة فيما يتعلق بتناولي النقدي للأدب، آخذا بعين الاعتبار أن هذا التناول ينبغي ألا يبتعد عن طبيعة الأدب الذي يتواشج مع العلوم الإنسانية على تنوّعها كما أنه لا يبتعد بطبيعة الحال عن الواقع والحياة، بل إنه نابع منها أصلا.
الأدب رؤية. هذا ما توصلت إليه مستهديا بآراء عدد من النقاد الذين نظروا إلى الأدب من وجهة النظر هذه. إنها رؤية تعبر من خلال اختيارات الأديب في عناصر عمله الأدبي عن وجهة نظره في شتى مجالات الحياة. وهي رؤية تقترب من الحدس، فهي لا تتوصل إلى ما تتوصل إليه بطريقة علمية بحثية.
لا تنفصل المنهجية أو تكوين الرؤية النقدية لدى أي كاتب أو ناقد عن تفاعله البحثي مع أساتذته، وقد كان لدراستي في ثلاث جامعات أردنية دور في تحقيق تعامل مع أكبر عدد ممكن من الأساتذة، فقد تتلمذت في مجال نقد الرواية مثلا على يد نخبة من أهم الأساتذة في هذا المجال، كالدكتور إبراهيم السعافين، والدكتور شكري الماضي، والدكتور إبراهيم الفيومي رحمه الله، والدكتور نبيل حداد، والدكتور محمد الشوابكة، والدكتور إبراهيم خليل الذي يعد نقد الرواية واحدا من اهتماماته. ولا يخفى على الدارس في هذا المجال أن لكل من هؤلاء منهجيته ورؤيته وإن كان هناك الكثير من التقاطعات بين منهجياتهم. وما زلت أذكر أول محاولة تحليلية للرواية حين أقدمت على تناول روايتي "المصابيح الزرق" و"الشراع والعاصفة" لحنا مينا مستهديا بالمادة العلمية التي  تلقيتها لدى الكتور إبراهيم الفيومي، كما تناولت عددا من الروايات لدى الدكتور إبراهيم السعافين في مرحلة الدكتوراه، وأحسب أن أدواتي النقدية قد تطورت في هذه المرحلة نتيجة الممارسة، ونتيجة تنوع مصادر المعرفة.
يقول إدوين موير: إن "الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يحدثنا عن الرواية هو الرواية" منطلقا في هذا القول من تناوله للحبكة في هذا الجنس الأدبي، وقد وجدت في هذا القول واحدا من أهم الأسس التي يمكن الانطلاق منها في تناول الرواية، إذ لا يمكن تجاوز الأحداث التي ترتبط بطبيعة الحال بباقي عناصر الرواية مما يسهم في إبراز الرؤية الكلية لها.
والرؤية في العمل الأدبي لا تقتصر في دلالتها على مقولة الأديب الأساسية، بل تتعدى ذلك إلى الخلفية المعرفية والثقافية والاجتماعية والسياسية والجمالية التي انطلق منها الأديب في توصيل مقولته تلك، حيث تتضافر اللغة وبقية العناصر في تقديم هذه المقولة، كما يتم تبئير عنصر ما في العمل الأدبي يكون أقدر على توصيل هذه الرؤية، فالرواية التي تحتفي بالتحولات التي طرأت على الأجيال تقدم عنصر الإنسان وتجعله بؤرتها، والرواية التي تحتفي بمكان ما تقدم هذا العنصر وتجعله في بؤرتها، ومن المعروف أن الروايات البوليسية مثلا تركز على عنصر الحدث لما فيه من تشويق يجذب القارئ للقراءة أكثر.
هذا هو النهج الذي اتبعته في قراءة الروايات التي تناولتها في مقالات نشرتها في المجلات والصحف، وهذا هو النهج الذي اتبعته في دراستي لأربع عشرة رواية في أطروحة الدكتوراه الموسومة ب"عمان في الرواية العربية في الأردن"، إذ اتجهت بإشراف الدكتور شكري الماضي إلى دراسة الرؤية في كل رواية من هذه الروايات، واتجهت إلى دراسة البناء بما لا ينفصل عن الرؤية، ثم تناولت أبعاد الأمكنة المختلفة للمدينة بما ينسجم مع المبحثين السابقين.
ولم تبتعد قراءتي لعدد من المجاميع القصصية عن التوصل إلى الرؤية من خلال هذه الأدوات نفسها، غير أن التوصل إلى رؤية القاص سيكون بطبيعة الحال من خلال نصوص قصيرة نسبيا، مما يجعل إمكانية الاستعانة بنصوص متعددة للتوصل إلى الرؤية الكلية أمرا ضروريا في الأغلب، وإن كان هذا الأمر مهما أيضا قي دراسة الرواية إلا أنه يبدو ضرورة ملحة في القصة القصيرة.
وقد حاولت من خلال غير دراسة للأدب الشعبي أن أستكمل توجهي في دراسة الأدب، غير أن ما يجب التنويه إليه في هذا المجال أن الرؤية في هذا النوع الأدبي تنطلق من الضمير الجمعي الذي يحتكم إليه سلوكُنا بوصفنا منتمين إلى ثقافة واحدة، ما يجعل الرؤية هنا رؤية شعب أكثر من كونها رؤية أديب أو حكواتي، وقد حاولت في دراستي للهوية القومية من خلال سيرة "حمزة العرب" أن أكشف عن ذلك الميل الشعبي لتجديد الهوية القومية خاصة فيما يتعلق بالنظرة إلى السلطة والحكم، وحاولت أن أتوصل إلى مفهوم الدين ومكوناته في السيرة الشعبية من خلال دراسة "تغريبة بني هلال".  كما حاولت أن أكشف عن نقاط الالتقاء بين الرؤية الشعبية ورؤية المثقف االمعاصر من خلال دراسة التعالق النصي بين سيرة "الزير سالم" وقصيدة أمل دنقل "أقوال جديدة عن حرب البسوس".
 لم يكن ارتضائي لدراسة الرؤية في الأدب معزولا عن الموقف الحضاري للأمة العربية أو أبعاد هذا الموقف في شتى المجالات، فلعل أمتنا ما زالت بأمس الحاجة إلى تقبل الرؤى المتنوعة وتسويغها وتفهم خلفياتها الفلسفية والفكرية بما لا يزعزع معنى الهوية ولا ينقلب عليها، ومن هنا لم أحاول أن أتدخل في أي من الرؤى التي قدمتها إلا بما يتناول الثغرات أو التناقضات في داخلها، أما الأدوات التي يعتمد عليها الأديب في تناوله، فهي بلا شك متواشجة مع الرؤية الكلية، ودراستها إنما هي استكمال لبناء الرؤية الكلية.

لا أدعي من خلال منجزي المحدود هذا أنني توصلت إلى نتائج حتمية أو أنني استطعت أن أنجز ما يمكن أن أسميه مشروعا نقديا، فلا شك في أن هذا المنجز بحاجة إلى تطوير مستمر، وإلى استكمال في شتى صنوف الأدب وأجناسه، وآمل أن يمنحني العمر والظروف فسحة تمكنني من إنجاز ما يمكن أن يشار إليه في المنجز النقدي الحديث.

الخميس، 16 أكتوبر 2014

الكرة القماشية


كانوا كفراشات تلحق الضوء، يقبلون عليها ثم يتراجعون إلى مواقعهم الدفاعية...كانت الشمس تعكس عن الكرة لمعانا داكنا أشبه بلمعان أرض الشارع الإسفلتية... يذكر كل واحد من الأطفال كيف تبلور هذا الشكل النهائي للكرة، فبعد أن كدّسوا القماش داخل الكيس الأسود ربطوه، ثم أخذوا ما تبقى من الكيس ليعقدوا عقدة أخرى من الجهة المقابلة في الكرة، وكرروا العملية مع أربعة أكياس أخرى متقاسمين الأدوار فيما بينهم، وهاهم الآن يتعاملون مع الكرة بكل رفق؛ حين يركل أحدهم الكرة باتجاه زميله في الفريق الآخر كان يتلقاها الآخر بدفء، يوقفها تحت كعبه دون أن يضع عليها ثقل رجله كاملة، ثم يركلها برأس إبهامه الذي أشهر نفسه من بين نعل الحذاء وغطائه العلوي كمدفع:
ـ جووول
فيصيح آخر: هاي عشرين ثلاثة عشر.
ثم يصيح أحدهم من الفريق الآخر: لا ، أربعة عشر
لكن السيارة المارة من الشارع تقطع الجدل، فيصيح أكثر من لاعب: أبعدوا ...أبعدوا؛ طريق للسيارة.
عندما قرر أبو سليمان أن يحضر الكرة لابنه سليمان كان يتذكر طفولته، فتتبدى له صورته الشقية بين أقرانه  كحلم مارس تأثيره عبر السنين؛ تذكر كيف اشتاق مرة لركوب دراجة، وحين وافق أحدهم على أن يعيره دراجته لدقائق وقع بمجرد أن ركبها:
ـ لم أكن متمرسا بركوب الدراجات.
لم تكن المشكلة في رأسه الذي سالت منه الدماء بعد أن ارتطم رأسه بالرصيف، بل كانت بالانحناء الذي أصاب قطعة في هيكل الدراجة:
ـ طعجتها ... طعجتها؟
ـ سليمان أذكى مني؛ يلعب مع أولاد من ثوبه... لم أره يوما يستجدي ركوب دراجة... ما شاء الله عليك يا سليمان... والله أنك تستحق هذه الكرة وأكثر، لكن... الله يعطينا.
نادى ابنه فور وصوله:
ـ سليمان... تعال يابا تعال... احزر ماذا أحضرت لك.
أشهر الكرة في وجه ابنه وقال: كرة
لم تظهر في وجه سليمان أي ملامح تدل على المفاجأة أو الفرح، لم يطلب أن يتفحصها... أو أن يرى ألوانها المزركشة... ظلت الكرة بين يدي أبي سليمان في حين امتقع وجهه كما لو أن أحدا فاجأه بسطل ماء بارد.
قال سليمان بهدوء: محمود... ابن أبو خالد لديه واحدة، لكننا حين لعبنا فيها مرة واحدة أدمت أصابعنا التي تخرج من بين أحذيتنا... إنها صلبة حتى لو قلصت كمية الهواء التي فيها.
تهاوت يدا أبي سليمان في حين سقطت الكرة من بين يديه:
ـ روح يابا العب... روح العب
أدار أبو سليمان ظهره المنحني للأولاد الذين بدأ ضجيجهم يتصاعد من جديد في حين مشى سليمان باتجاه الأولاد شارد الذهن: ماذا لو أحضر أبي لي حذاء لا تنز منه أصابع قدمي؟ هل سأبقى ألعب مع أصدقائي هؤلاء في هذه الحال؟ سأبقى على هذا الحذاء، فربما تؤذي مقدمة حذائي الجديد أصابع أقدام أصدقائي...إن أحضر لي أبي حذاء جديدا سأبقيه للمناسبات التي لا ألعب فيها مع أصدقائي.
كان الأب يفكر في شراء حذاء جديد لابنه سليمان بينما كان يبهت ضجيج لعب الأولاد، لكن صوتهم تعالى مرة واحدة:
ـ سليمان... سليمان...سليمان...
كانت قدماه تحت عجلة السيارة... وكان رأسه ينز دمًا على الرصيف...

الاثنين، 26 مايو 2014

فرعا رابطة الكتاب في جرش وعجلون يقاطعان مهرجان جرش

لم يكن تجاوز مثقفي جرش وكتابها في مهرجان جرش ممارسة جديدة لدى إدارة المهرجان، فقد كان مثقفو جرش في كل عام يعلنون اعتراضهم ومقاطعتهم على أمل أن تتغير هذه الممارسة في العام اللاحق، غير أن القائمين على المهرجان فيما يبدو يصرون على استبعاد أبناء جرش من المثقفين والكتاب، بل يهمشونهم في مدينتهم فيقيمون لهم فعاليات محلية على هامش المهرجان، وكأن المشاركة في الفعاليات المحلية تجعل تجاوز مثقفي وكتاب جرش في فعاليات المهرجان الرسمية أمرا طبيعيا. وقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين استبعدوا شعراء ومثقفي الجارة التوأم لجرش: عجلون، وكأنهم يتحسسون من كل من هو قريب جغرافيا من موقع المهرجان.
إننا نعرف أن رابطة الكتاب الأردنيين هي المخولة بتسمية المشاركين في مهرجان جرش، ونعرف أيضا أن الرابطة استبعدت فرعي جرش وعجلون من المشاركة في مهرجان السوسنة الشعري، ونود لو تدلي الهيئة الإدارية للرابطة بمبررات هذا الموقف المستهجن من محافظتين أردنيتين أصيلتين لا يستطيع ناظر إليهما أن ينكر أنهما كانتا على الدوام مصدراً للإلهام والإبداع.
ولعل من الواضح في هذا السياق أن هذا التهميش يقع في إطار تهميش المركز للأطراف، على أن هذه المركزية لا تنبع من مركزية ثقافية تعتمد معايير موضوعية، بل هي مركزية تأتي ضمن الدوائر المغلقة التي تحتكم إلى مجموعة من الأصدقاء الذين يقربون هذا ويستبعدون ذاك، يعني بالتعبير الدارج تحتكم إلى ما يعرف بــ(الشلة) وقد شاءت إرادة من يهيمن على هذه (الشلة) أن يكون مثقفو جرش وعجلون خارج المشهد. حتى أنهم حين فكروا في دورات سابقة بواحدٍ من الشعراء الذين ينتمون إلى هاتين المحافظتين الرائدتين ثقافيا وضعوه في أمسية هامشية بعيدا عن عمان أو موقع المهرجان الرئيسي.
ويمكن للمتقصي أن يلحظ ورود أسماء في مهرجان الشعر وفي ملتقى السرد لا تملك سيرة متميزة أو آثارا معروفة، وكان من الأولى أن تكون لجيران المهرجان مشاركة في هذه الفعاليات، فهم أصحاب آثار ثقافية بارزة، على الرغم من تجاهل (الشلة) نفسها لوجودهم الثقافي المتميز الذي تشهد له محافل كثيرة بعيدة عن تأثيرات هذه (الشلة).
نحن لا نتحدث عن محاصصة، مع أن كل ما في بلادنا قائم على المحاصصة؛ بل عن تعمد تهميش مثقفي جرش وعجلون، خاصة أن عينة من مثقفي كل المدن الأردنية مشاركون بقصد أو دون قصد من قبل المنظمين، فهل انتشر المثقفون في كل المدن غير جرش وعجلون، أم أن هناك محاولة مقصودة للتهميش؟ وتهميش مَن : "المعازيب" أي أصحاب البيت الذين يشعرون بالحرج عندما يتم إدارة الجلسات من قبل ضيوف قادمين من أماكن أخرى.
وعلى إثر هذا التهميش المقصود يعلن فرع رابطة الكتاب الأردنيين في جرش وفرع رابطة الكتاب الأردنيين في عجلون مقاطعتهما لفعاليات مهرجان جرش في هذا العام، والاحتجاج رسميا على أداء الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين، الجهة المنظمة للبرنامج الثقافي في مهرجان جرش للثقافة والفنون. كما ويعلن الدكتور شفيق النوباني، من فرع جرش انسحابه من المشاركة الوحيدة التي جاءت من خلال الفعاليات المحلية للمهرجان. وعلى إثر ما يحدث من إقصاء وتهميش وتجاهل لكتاب جرش وعجلون نطالب وزارة الثقافة بنظرة أكثر موضوعية وأكثر تمثيلاً لحياتنا الثقافية.
الموقعون
- علي طه النوباني – رئيس فرع رابطة الكتاب الأردنيين في جرش
- د. سلطان الزغول / رئيس فرع رابطة الكتاب الأردنيين في عجلون
الشاعر: عمار الجنيدي ، د. إسماعيل القيام، د. شفيق طه النوباني، د. علي المومني، د. يوسف ربابعة، د. مريم جبر فريحات، د. رفعات الزغول، د. جهاد المرازيق، الشاعر: حافظ عليان، الكاتب المسرحي: جمال نواصرة، القاص: ربيع ربيع، الشاعرة: ميسون طه النوباني، الروائي: حسام الرشيد، القاص: عبد الله الحناتلة، القاص: محمد علي فالح الصمادي، الشاعر: عبد الرحمن القضاة، القاص: عامر الشقيري، القاص: فارس علي الزغول، القاصة: مُسيد المومني

السبت، 25 يناير 2014

محاضرة للدكتور غسان عبد الخالق عن الغلو والاعتدال في الفكر العربي

         ألقى المفكر والناقد غسان عبد الخالق في المقر المشترك لرابطة الكتاب الأردنيين – فرع جرش وجمعية أصدقاء التنمية والاستثمار محاضرة بعنوان "صور من الغلو والاعتدال في الفكر العربي"، حيث تناول صورا من الفكر العربي منذ حركة الخوارج مشيرا إلى مواقف فكرية تبناها المفكرون العرب، فأشار في بداية محاضرته إلى موقف عبدالله بن عباس من الشعر إذ رفض تحريمه.
اتكأ الناقد عبدالخالق على الموروث الحكائي في إبراز صور من الاعتدال في الفكر العربي، غير أن خوضه في صلب الاتجاهات الفكرية غلب على المحاضرة، فتناول نموذج الإمام الغزالي على أنه نموذج معتدل على الرغم من الكثير التناولات السطحية التي لم تنصفه، فأشار إلى كتابه "تهافت الفلاسفة" على أنه دعوة لتجاوز الخطاب القائم على الفلسفة اليونانية التي اعتمد عليها معظم الفلاسفة العرب إلى خطاب فلسفي نابع من الحضارة العربية.
وفي تناول المفكر عبدالخالق لمحنة ابن حنبل والفكر المعتزلي أشار إلى السلوك السياسي الذي مارسه المعتزلة عند تمكنهم من السلطة، وعرض لمدونة تتضمن خطوطا عريضة تتعلق بتعامل الدولة مع الدين يمكن استخلاصها من فقه ابن حنبل، وتناول عبدالخالق المذهبين المالكي والظاهري في الأندلس وأشار إلى فكر ابن حزم في الأندلس من خلال كتابه المشهور "طوق الحمامة"، حيث أشار إلى السياق الذي أنتج من خلاله هذا الكتاب إذ غامر مؤلفه الشاب بمستقبله السياسي في سبيل ترويج أفكاره عن موضوع الحب في مجتمع تغلب عليه المحافظة.
وقد تبع المحاضرة حوار مطول مع الحضور الذين تفاعلوا مع القضايا التي أثارتها المحاضرة، وكان الدكتور شفيق طه النوباني قد استهل المحاضرة بالإشارة إلى الإسهام الثمين الذي سيقدمه الدكتور عبد الخالق في سلسلة المحاضرات التي تعقدها الرابطة والجمعية، إذ تنبع أهمية هذه المحاضرة من أهمية القائم عليها بوصفه مفكرا تناول الموضوعات الفكرية بأبعاد نقدية، كما تناول موضوعات النقد بأبعاد فكرية، فظهرت في شخصيته الثقافية ملامح الناقد والمفكر. 






الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

الفلامنكو والسّامر والدحّية


د. شفيق طه النوباني
كثيرا ما أشار دارسو الفلكلور إلى تأثر رقصة الفلامنكو الإسبانية بالتراث العربي في الأندلس، وقد نالت هذه الرقصة اهتماما أكبر في الثقافة العربية، لا أقول بسبب تأثرها بالفلكلور الأندلسي، وإنما بسبب قربها من الطابع الشرقي للرقص، والحقيقة أنني بقيت متشوقا لمشاهدة هذه الرقصة عن قرب إلى أن حانت الفرصة لذلك من خلال مهرجان جرش للثقافة والفنون في المسرح الشمالي هذا العام.
بعد أن مضى المؤدون في عرضهم حضرت إلى ذهني دبكة "الدحية" البدوية، وقد آزر فكرتي أحد المشاهدين إذ علا صوته: "بدو أمريكا" في اعتقاد منه بأن الرقصة أمريكية، والحقيقة أن هذه المشابهة التي لاحظها كلانا؛ أنا والمشاهد الذي عبّر عن رأيه فورا بصوت مرتفع لم تنبع من فراغ.
تقوم دبكة السامر البدوية على تحلّق عدد من الرجال تتوسطهم امرأة تدعى "الحاشي" تقوم بحركات رشيقة تسمى "المحوشاة" حيث تؤديها الحاشي ببراعة وكبرياء على إيقاع تصفيق أيدي الرجال وغنائهم خلف الشاعر "القاصود" (انظر: محمد غوانمة، المجلة الأردنية للفنون، أغاني النساء في الأردن، ص4)
وإذا كانت دبكة السامر تقوم على وجود فعلي للمرأة فإن دبكة "الدحية" تقوم على وجود افتراضي للمرأة في وسط حلقة الرجال بحسب تأويل دارسي الفلكلور، وإذا ما تجاوزنا طبيعة اللباس وتفاصيل الحركات في رقصة الفلامنكو فإننا سنجد أن وجه الشبه بينها وبين الدبكة البدوية كبير جدا، ففي رقصة الفلامنكو تبرز حركات النساء اللواتي يتحلق الرجال حولهن جالسين أو واقفين ليظهروا تشجيعهم لهن من خلال التصفيق ليشكلوا بذلك لوحة حركية وإيقاعية قوامها السرعة والقوّة.
عنصرا السرعة والقوّة هذان هما أساس الفعل الحركي في رقصة الفلامنكو، وإن كانت دبكة السامر تقوم على حركة أبطأ إذ تعتمد المطلع المشهور: هلا وهلا بك يا هلا        لا يا حليفي يا ولد. فإنها لا تستغني عن القوّة إذ ترقص المرأة حاملة السيف، كما أنها تتميز بقوّة الشخصية، ولعلها تكون من علية القوم، وفي شخصية آمنة في رواية "سلطانة" لغالب هلسا ما يشير إلى مكانة المرأة التي يمكن لها أن تقوم بمثل هذا الدور في المجتمع البدوي.
وعلى الرغم من هذا التشابه بين الدبكة البدوية والرقصة الإسبانية إلا أن من الممكن التوصل إلى تباينات عميقة نابعة من البنية الاجتماعية والعمق الثقافي لكلا المجتمعين، فالمرأة في الرقصة الإسبانية تمثل مركز الرقصة سواء أكان ذلك من ناحية التشكيل الحركي إذ ترقص المرأة في مركز الحلقة، أو من ناحية التشكيل الإيقاعي إذ يبدو الإيقاع الصادر من حركة أقدام المرأة مركزيا جاذبا لحلقة الرجال والجمهور في الوقت ذاته. أما في الدبكة البدوية فإن المركز في الحلقة إذ تبدو هذه الحلقة الذكورية بطبيعة الحال هي الجاذبة للنظارة من ناحية الحركة والغناء والإيقاع، فالغناء يصدر من الرجال المتحلقين في دبكة السامر، كما أن الإيقاع يتحقق من خلالهم في "الدحية"، ومن الطبيعي بعد هذه المقارنة أن تسمى الدحية بالدبكة وهو فن ذكوري، وأن يسمى الفلامنكو بالرقصة وهو الفن الذي يقترن بالإناث عادة.
 والحقيقة أن هذه المركزية الذكورية تبقى مظهرا برّانيّا، فلا يحتاج المتبصّر إلى عميق اجتهاد للتوصل إلى حقيقة تمركز المرأة موضوعيّا من منطلق شكل الدبكة الحلقي حول المركز سواء أتمثل هذا المركز بالمرأة في وجودها المادي في "السامر" أو وجودها الافتراضي في "الدحية". ولو أننا ابتعدنا في هذا التأويل إلى دور المرأة الاجتماعي لوجدنا أن دور المرأة في أي مجتمع دور مركزي سواء أكان هذا الدور واضحا للعيان مكشوفا قياسا على الفلامنكو، أو كان دورا مضمرا قياسا على "الدحية".

لا شك في أن إحالة الفلامنكو إلى الدحية أو السامر فيها الكثير من المجازفة والتأويل الذي لن يقودنا إلا إلى محاولات سبر تاريخية ليس بالضرورة أن تخرج بنتيجة مؤكدة، غير أن اتفاق الجوهر الإنساني في كل الثقافات أمر لن يساوره الشك، وإن كانت الدراسات البنيوية قد توجهت في مساحات واسعة منها إلى دراسة الحكايات الشعبية لتتوصل في نتيجة من أهم نتائجها إلى وحدة العقل البشري، فإن توجهها إلى دراسة حركات الجسد والإيقاع في الفنون الحركية لن تخرج بها عن هذه النتيجة.  

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

العربون


البرود الذي ما كان له أن يرتقي إلى حال من السخونة، أو أن يتدانى إلى مستوى التجمد حال ترقد في زيدون منذ مدّة. وهو على أية حال لا يستطيع تحديد هذه المدّة … سنة … أو يوم … أو شهر … فالأمر سواء.
بلورات الجليد منتشرة عبر الشارع بلا وجهة أو شكل مستقر، والحافلة تسير عجوزًا سقطت من شعره آخر شيبة، طريق متعرج تحفة أشجار السرو المتجمدة.
سنة ليست كباقي السنين. غزاها الثلج من بداية أيلول، وتكوّم جليدًا إلى كانون. متى ستنفكّ محنة الجليد؟ سؤال تداولته ألسن كثيرة. وقد توقفت البلاد عن الحركة في البداية، لكن الحاكم قال بأن لا استسلام للطبيعة الحائرة.
أسماع الركاب تصغي للبرودة والهدوء؛ نظراتهم تنبعث بحثًا عن نهاية لهذا الركود الرتيب؛ أشجار على جانبي الشارع المتعرج، بقع من الجليد، ثم لا شيء؛ وكأنهم يريدون كسر هذا الفراغ الشاسع من حولهم بأي  كون .
تتناقل عينا جامع الأجرة بين السائق والركاب والشجيرات والفراغ المتراكم. حان وقت جمع الأجرة. تقدّم من راكب، وضع في يده عددًا من القطع النقدية كاسرًا إزعاج الصمت برنينها الخافت. وصل إلى زيدون. وضع قطعة واحدة في يد جامع الأجرة.
- ما هذا ؟
التفت إليه الركاب بسرعة وهمهموا كأنهم خلية نحل في نهار شتوي.
- عربون ... إلى أن توصلني إلى غايتي … فأعطيك ما تبقى .
- لكن …
- وكيف ستأمن لي وصولي ؟
صمت الاثنان بينما اعتدل الركاب؛ كل عين في شبّاكها. أكمل جمع الأجرة وتراجع إلى جانب الباب. لغة العيون في تحديها المتهافت تعمل عملها، لكن زيدونًا أسلم عينيه للشجيرات التي بدأت يالتصاغر.

تباطأت الحافلة أكثر. نظر الجمع إلى السـائق. شيء ما على جانب الشارع. نظروا جميعًا إلى امرأة عارية تشير إلى الحافلة بالتوقف، نزلوا قاطرة، ثم كانوا دائرة، حملوا المرأة … شكل جليدي آل إلى امرأة … أو امرأة آلت إلى شكل جليدي، ألقوها على أحد المقاعد
الفارغة، جلس كل واحد في مكانه  بينما عادت الحافلة إلى حالة المشي العجائزي. تناقلت نظرات الركاب بين الشكل الجليدي والفراغ، لكنهم ما فتئوا أن أسلموا أعينهم للفراغ من جديد .

توقفت الحافلة بلا توطئة. أشـار جامع الأجرة وكأنما يقول: هنا آخر موقف. تناقلت أعين الركاب بين زيدون وقطعة الجليد النسوية، حفر زيدون جيبه ... قطعتان نقديتان … أعطاهما لجامع الأجرة بينما حمل الركاب قطعة الجليد ونزلوا من الحافلة، حاول السائق عبثًا تشغيل الحافلة . مشى الجمع حاملاً قطعة الجليد  بينما تدانى زيدون إلى مستوى التجمد.

16 / أيلول / 1999م


الثلاثاء، 18 يونيو 2013

في قلبي

في قلبي
امرأة
تبكي منذ سنين
وتخاف عليّ من الغربة
وتبوح بآلام في الرأس وفي القدم
وتعاني من كابوس يأتيها في تشرين 
يأتيها دوما بعد حنين
  كانت تشبه أمي
كانت أمي
في قلبي
رجل كالشجرة
يحمل فأسا
يحفر صخرا
ويداوي بالقرآن
بدَواة الصبر الممزوج بحبر الزعفران
كان أبي
كان النور بعينيه الخضر طريقا للنهر
في قلبي عكازان
تتنادى الأحلام على بابهما
فيفوح الوجهان
في قلبي
جمر وكواكب
خلجان تسبح
ومراكب
ألحان تتراءى للضائع في نير السجان
في قلبي
يا قلبي
أدميت الروح... أما تدري؟  
أبليت الوجد على وجهي
وبدوت بثوب كالرمس
يقطع من كفن الأمس
ويكمم فاهي
 على تعسي
ويصب النار على جرْسي
++++
في أول بستان من قلبي
شجرة
خضراء وحمراء وبيضاء وباسقة
كالنجمة
كالبيدر
كالشلال يصب على الشطآن
كالنار على عين اللهفة
لن أحرقها
لن أخرجها من قلبي
لكني أحملها دوما في مدّ يدي