الخميس، 16 أكتوبر 2014

الكرة القماشية


كانوا كفراشات تلحق الضوء، يقبلون عليها ثم يتراجعون إلى مواقعهم الدفاعية...كانت الشمس تعكس عن الكرة لمعانا داكنا أشبه بلمعان أرض الشارع الإسفلتية... يذكر كل واحد من الأطفال كيف تبلور هذا الشكل النهائي للكرة، فبعد أن كدّسوا القماش داخل الكيس الأسود ربطوه، ثم أخذوا ما تبقى من الكيس ليعقدوا عقدة أخرى من الجهة المقابلة في الكرة، وكرروا العملية مع أربعة أكياس أخرى متقاسمين الأدوار فيما بينهم، وهاهم الآن يتعاملون مع الكرة بكل رفق؛ حين يركل أحدهم الكرة باتجاه زميله في الفريق الآخر كان يتلقاها الآخر بدفء، يوقفها تحت كعبه دون أن يضع عليها ثقل رجله كاملة، ثم يركلها برأس إبهامه الذي أشهر نفسه من بين نعل الحذاء وغطائه العلوي كمدفع:
ـ جووول
فيصيح آخر: هاي عشرين ثلاثة عشر.
ثم يصيح أحدهم من الفريق الآخر: لا ، أربعة عشر
لكن السيارة المارة من الشارع تقطع الجدل، فيصيح أكثر من لاعب: أبعدوا ...أبعدوا؛ طريق للسيارة.
عندما قرر أبو سليمان أن يحضر الكرة لابنه سليمان كان يتذكر طفولته، فتتبدى له صورته الشقية بين أقرانه  كحلم مارس تأثيره عبر السنين؛ تذكر كيف اشتاق مرة لركوب دراجة، وحين وافق أحدهم على أن يعيره دراجته لدقائق وقع بمجرد أن ركبها:
ـ لم أكن متمرسا بركوب الدراجات.
لم تكن المشكلة في رأسه الذي سالت منه الدماء بعد أن ارتطم رأسه بالرصيف، بل كانت بالانحناء الذي أصاب قطعة في هيكل الدراجة:
ـ طعجتها ... طعجتها؟
ـ سليمان أذكى مني؛ يلعب مع أولاد من ثوبه... لم أره يوما يستجدي ركوب دراجة... ما شاء الله عليك يا سليمان... والله أنك تستحق هذه الكرة وأكثر، لكن... الله يعطينا.
نادى ابنه فور وصوله:
ـ سليمان... تعال يابا تعال... احزر ماذا أحضرت لك.
أشهر الكرة في وجه ابنه وقال: كرة
لم تظهر في وجه سليمان أي ملامح تدل على المفاجأة أو الفرح، لم يطلب أن يتفحصها... أو أن يرى ألوانها المزركشة... ظلت الكرة بين يدي أبي سليمان في حين امتقع وجهه كما لو أن أحدا فاجأه بسطل ماء بارد.
قال سليمان بهدوء: محمود... ابن أبو خالد لديه واحدة، لكننا حين لعبنا فيها مرة واحدة أدمت أصابعنا التي تخرج من بين أحذيتنا... إنها صلبة حتى لو قلصت كمية الهواء التي فيها.
تهاوت يدا أبي سليمان في حين سقطت الكرة من بين يديه:
ـ روح يابا العب... روح العب
أدار أبو سليمان ظهره المنحني للأولاد الذين بدأ ضجيجهم يتصاعد من جديد في حين مشى سليمان باتجاه الأولاد شارد الذهن: ماذا لو أحضر أبي لي حذاء لا تنز منه أصابع قدمي؟ هل سأبقى ألعب مع أصدقائي هؤلاء في هذه الحال؟ سأبقى على هذا الحذاء، فربما تؤذي مقدمة حذائي الجديد أصابع أقدام أصدقائي...إن أحضر لي أبي حذاء جديدا سأبقيه للمناسبات التي لا ألعب فيها مع أصدقائي.
كان الأب يفكر في شراء حذاء جديد لابنه سليمان بينما كان يبهت ضجيج لعب الأولاد، لكن صوتهم تعالى مرة واحدة:
ـ سليمان... سليمان...سليمان...
كانت قدماه تحت عجلة السيارة... وكان رأسه ينز دمًا على الرصيف...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق